فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 284

:"لم تثبت نبوة نبي في شريعة من الشرائع بالبرهان العقلي القاطع كما ثبتت نبوة محمد بن عبدالله , فقد ثبت أنه نشأ عليه الصلاة والسلام أميًا بين قوم أميين , لم يقرأ كتابًا ولا قال شعرًا ولا أرتجل خطبه , ولا ترأس قبيلة , ولا أنتحل كهانه , ولا عرف شيئًا من شرائع الأمم وأديانها (1) "ويضيف الكاتب"جل ما أتصف به هو الأمانة والعزوف عن مخالطة قومه في المجون واللهو وعبادة الأصنام (2) "

ولا إشكال في أنّ مضمون الدعوة يلقي ضوءًا واضحًا على صدق الرسالة وكذبها، فبقدر ما يكون المضمون مشتملًا على مفاهيم ونُظُم وأخلاقيّات رفيعة وعالية ونظيفة، يكون ذلك شاهدًا على كونها سماويّة وإلهية، ولو كانت مشتملة على الخرافات أو الأخلاقيّات الخسيسة أو النُظُم الساقطة عقلًا تبرهن بذلك على كذب مدّعي الرسالة.

ولا استغراب من بلوغ رقيّ المضمون حدًّا لا يحتمل صدوره من سلطان من سلاطين الأرض، بل الواقع هو ذلك. فما ظنّك بدين مشتمل على نماذج كثيرة من مفاهيم وأحكام وأخلاقيّات لا يمكن أن يتصوّر أرقى منها، من قبيل: الاهتمام الجدّي بالالتزام بأرقى مستويات الخلق الرفيع حتّى مع أعدى عدوّه، فهل هناك عدوّ لله وللإسلام أكبر وأشدّ عداءً من المشرك؟ في حين أنّ الإسلام يؤكّد على ضرورة إيجار المشرك الذي استجارك ثمّ إبلاغه مأمنه عملًا بعهد الإيجار معه، في حين أنّه بمجرّد وصوله إلى مأمنه قد يحارب الإسلام بالسيف، وأيّ سلطان من سلاطين الأرض يحتمل ـ بحسب نُظُم الطبيعة ـ وصوله إلى هذا المستوى من رحابة الصدر في التمسّك بالأخلاق الرفيعة؟!

(1) روح الدين الإسلامي ص 449

(2) المصدر السابق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت