فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 284

إنّ القرائن المختلفة من ظروف الرسول وبيئته وحالاته، وما إلى ذلك قد يورث بعضها أو مجموعها القطع بصحّة الرسالة وصدق الرسول، فمثلًا كون الرسول صادقًا وأمينًا لدى الناس مدّة حياته الطويلة قبل البعثة، وكذلك خروجه من بيئة جاهلة ضالّة منهمكة في الخرافات والحروب والرذائل، وعدم تلمّذه لدى أيّ عالم من العلماء وعدم قراءته وكتابته وإتيانه على الرغم من كلّ ذلك بأرقى برنامج كامل شامل للحياة السعيدة، وكذلك كون القريبين منه والمؤمنين به من المتّسمين بالصلاح وسلامة النفس، وما إلى ذلك من القرائن يوجب بمجموعه بل ببعضه اليقين بالصدق.

وقد نقل عن قيصر ملك الروم استناده إلى هذا الدليل في تصديق النبيّ (ص) ، فإنّه عندما كتب إليه الرسول محمّد (ص ) رسالة يدعوه فيها إلى اعتناق دينه الذي أتى به، أخذ ـ بعد استلامه الرسالة ـ يتأمّل في عبارات الرسول وكيفية الكتابة حتّى وقع في نفسه احتمال صدق الدعوى، فأمر جماعة من حاشيته بالتجوّل في الشام والبحث عمّن يعرف الرسول عن قرب وله اطّلاع على أخلاقه ونفسيّاته، فانتهى البحث إلى العثور على أبي سفيان وعدّة كانوا معه في تجارة إلى الشام، فاُحضروا إلى مجلس قيصر فطرح عليهم الأسئلة التالية:

قيصر: كيف نسبه فيكم؟

أبو سفيان: محض أوسطنا نسبًا. (يعني أعلانا نسبًا) .

قيصر: أخبرني هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول فهو يتشبّه به؟

أبو سفيان: لا، لم يكن في آبائه من يدّعي ما يقول.

قيصر: هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه؟

أبو سفيان: لا.

قيصر: أخبرني عن أتباعه منكم، من هم؟

أبو سفيان: الضعفاء والمساكين والأحداث من الغلمان والنساء، وأمّا ذوو الأسنان والشرف من قومه فلم يتبعه منهم أحد.

قيصر: أخبرني عمّن تبعه، أيحبّه ويلزمه أم يقليه ويفارقه؟

أبو سفيان: ما تبعه رجل ففارقه.

قيصر: أخبرني كيف الحرب بينكم وبينه؟

أبو سفيان: سجال، يدال علينا وندال عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت