فهرس الكتاب
قيصر: أخبرني هل يغدر؟
أبو سفيان: ـ لم أجد شيئًا ممّا سألني عنه أغمزه فيه غيرها فقلت ـ: لا ونحن منه في هدنة، ولا نأمن غدره (وأضاف أبو سفيان بأنّ قيصر ما التفت إلى الجملة الأخيرة منه) .
ثمّ إنّ قيصر أبان وجه السؤال عن الاُمور السابقة، وأنّه كيف استنتج من الأجوبة التي سمعها من أبي سفيان أنّه نبيّ صادق بقوله:
سألتك كيف نسبه فيكم فزعمت أنّه محض من أوسطكم نسبًا، وكذلك يأخذ الله النبيّ إذا أخذه لا يأخذه إلاّ من أوسط قومه نسبًا.
وسألتك هل كان أحد من أهل بيته يقول بقوله فهو يتشبّه به، فزعمت أن لا.
وسألتك هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه فجاء بهذا الحديث يطلب به ملكه، فزعمت أن لا.
وسألتك عن أتباعه، فزعمت أنّهم الضعفاء والمساكين والأحداث والنساء، وكذلك أتباع الأنبياء في كلّ زمان.
وسألتك عمّن يتبعه أيحبّه ويلزمه أم يقليه ويفارقه؟ فزعمت أن لا يتبعه أحد فيفارقه، وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبًا فتخرج منه.
وسألتك هل يغدر، فزعمت أن لا، فلئن صدقتني عنه ليغلبنّي على ما تحت قدميّ هاتين، ولوددت أنّي عنده فأغسل قدميه، انطلق لشأنك.
قال أبو سفيان: فقمت من عنده وأنا أضرب إحدى يديّ بالاُخرى وأقول: إي عباد الله! لقد أمر أمرُ ابن أبي كبشة، أصبح ملوك بني الأصفر يهابونه في سلطانهم بالشام (1) .
2.عصمة النبي:
عصمة الأنبياء عن الذنب لا تعطي معنى الانجبار على ترك الذنب، بل ذلك ينفي العصمة; إذ مع الجبر لا معنى للتكليف ولا فخر في ترك الذنب ولا قيمة له.
وكذلك لا تعني العصمة مجرّد العدالة; فإنّ العدالة إن هي إلاّ ملكة الاعتصام عن الذنب في حالات الإغراءات الاعتياديّة، أمّا إذا اشتدّت الإغراءات أو ضعفت النفس بسبب طارئ ـ فوق ما يتصوّر عادة ـ فقد تزل قدم من كان عادلًا ويهوى إلى مكان سحيق، نعم لو تاب بعد ذلك وكانت الملكة موجودة أو رجعت، رجعت العدالة.
(1) تاريخ الطبري 2: 290 ـ 291