فهرس الكتاب
إنّ الإسلام على خلاف أغلب الأديان ـ إذا لم نقل كلها ـ يجعل التقاعس عن مقارعة الظالمين إثمًا ووزرًا يعاقب عليه أتباعه ، قال تعالى: ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار ) (1) . فالإسلام ليس أفيون الشعوب ، بل نراه يحثّ على الثورة والمجاهدة ، ففي نظر الإسلام أنّ الإنسان إذا تسلط على الغير بالقوة ، وفرض سيطرته على الآخرين بالقهر ، فذلك هو « الطاغوت » الذي لا بدّ من إشعال الثورة ضده ، حتّى يتم تحطيمه وأسقاطه ، فالطاغوت هو من يطغى بنفسه مستكبرًا على سنّة ربِّه ، ويريد هو وحفنة من أمثاله أن يفرضوا على الناس طاعتهم ، ويسلّموا مصيرهم إليهم . فعندما يكون في المجتمع شخص أو فئة من هذا القبيل فالإسلام يأمر أتباعهُ حينئذٍ بمحاربته ومقاومته بكلّ ما أُوتوا من قوة ، قال تعالى: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (2) . وقال تعالى: ( فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) (3) .
إذًا الإيمان بالله وحده غير كافٍ أبدًا في نظر الإسلام ، بل لا بد أن يقترن بالكفر بالطاغوت ، بل الكفر بالطاغوت يكون مقدمة للاِيمان بالله تعالى ، لاَنّ من الواجب أوّلًا إزالة الأسباب الّتي تؤدي إلى الكفر ، ثمّ بناء أساس الإيمان والتقوى .
فهل يصحّ بعد هذا كلّه لماركس أن يقول: ( إن الدين الإسلامي أفيون الشعوب ) نعم المسيحية الكنسية واليهودية المحرفة قد يكونا أفيون الشعوب ، فإنّ تلكما الديانتين الّتي عاش ماركس في وسطهما ، وارتضع من ثدييهما ، تدعوان أتباعهما إلى الخضوع والذلة ، إلى درجة لا تجعل للكرامة الإنسانية أي مكان فيهما ، فقد جاء في إنجيل متى ( أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشرير ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر ) .
(1) سورة هود: 11 > 113
(2) سورة النحل: 16>36
(3) سورة البقرة: 2>256