فهرس الكتاب
وتجد في بعض النصوص أنهم يذهبون إلى الحرمة القطعية للثورة والنضال ، فقد جاء في أناجيلهم المحرّفة ادعاؤهم أن عيسى عليه السلام قال للقديس بطرس: ( أعد سيفك إلى مكانه ، لاَنّ كل الذين يأخذون السيف بالسيوف يهلكون) بينما نرى الإسلام على عكس ذلك ، حيث يقول: ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) (1) . وهذا تأريخ الإسلام والمسلمين زاخر بالحروب والثورات الجهادية ، حتّى أتُهِم الإسلام بأنّه ما قام إلاّ بالسيف ، وأنّه دموي النزعة ، والعجيب أن هؤلاء يناقضون أنفسهم ، فبينما يتهمون الدين بأنّه أفيون الشعوب ، يصرّحون بأن الإسلام قوة ثورية في وجه الطغاة ، فقد زار خروشوف ، أحد القادة الشيوعيين في دولة الاتحاد السوفيتي ، الجزائر يومًا ، وقابل ( بن بلاّ ) فشرح له بن بلاّ مكانة الإسلام في هذه المنطقة من العالم ، وكيف استطاع أن يحرّر المسلمين بفضل تعاليمه من الاستعمار الفرنسي ، فقال خروشوف: ( نعم إنّ الإسلام في هذه المنطقة يمثّل قوةً ثورية ) (2) .
وهكذا نرى وهن هذه النظرية ، التي لم تقم على أساسٍ موضوعي ، لذلك فهي لا تصلح أبدًا لتفسير نشوء ظاهرة الدين والتدين في حياة الإنسانية .ومن خلال استعراضنا لهذه النظريات ـ الغربية والشرقية ـ التي تفسّر علة تكون ظاهرة الدين في حياة الإنسان ونقدها وإثبات خطئها ، يمكن لنا أن نتساءل: إذن ما هي العلة الحقيقية الّتي دفعت الإنسان ، ومنذ أول وجوده على هذه الأرض ، وإلى أن تنتهي الحياة ، إلى أن يعتنق الدين ، ويؤمن بتلك القوة الملكوتية المهيمنة على هذا الوجود ،ويخضع لها بكل جوارحه ؟ .
المطلب الرابع
التوجه الديني في نظر الاسلام
(1) سورة البقرة: 2>194
(2) كتاب الفطرة: 163