فهرس الكتاب
إن الخوف من قوة الإسلام المحركة الذي يأخذ في اللحظات الحماسية شكل الدفاع والصراع والمشاجرة، وهو أحد أكثر الأشكال الانفعالية في التاريخ، قد أبرز مفهوم الإسلام السياسي كتهديد متواتر، ومفهوم الدين السياسي كبنية تاريخية في أصول الإسلام. يقول (غولدزيهر) : إن الإسلام قد جعل الدين دنيويًا، لقد أراد أن يبني حكمًا لهذا العالم بوسائل هذا العالم [1] .
إننا أمام منافسة شرسة بدأت منذ أكثر من ألف عام، وساحتها كانت في معظم الأحيان هي كل أنحاء المعمورة. ومع ظهور العولمة، وتزايد حركات الهجرة، ونقص العمالة اليدوية المدربة في أوروبا، وتناقص عدد السكان في كثير من دول شمال وغرب أوروبا، فقد تسبب كل ذلك في عودة الوجود الإسلامي للظهور بقوة داخل أوروبا، وفي كل عواصمها وحواضرها بشكل أصبح يستفز كل من يسعى إلى الانتصار للكنيسة أو للغرب على حساب الإسلام.
لقد رأت الكنيسة الأوروبية تاريخيًا - وحتى الآن على أغلب الظن - أن هناك خطورة من انتشار الإسلام في كل أنحاء المعمورة، وأن هذه الخطورة تمثل كارثة على المسيحية. لذلك فإن المواقف الفكرية المسيحية تنحى دائمًا إلى الهجوم على الإسلام وعلى نبي الإسلام؛ إدراكًا منها للخطر الذي يواجه المسيحية الأوروبية عندما ينتشر الإسلام. إن رسالة البابا (بيوس) الثاني عشر (Fidei Donum) ، الصادرة عام 1957م رأت في انتشار الإسلام في أفريقيا خطرًا على الكنيسة. وقد نظر كتاب (تاريخ الإرساليات الكاثوليكية) المُؤَلَّف في المرحلة نفسها إلى نشاط الإسلام وفعاليته العالمية، ككارثة تضاهي خطر الشيوعية [2] .
(1) أوروبا والإسلام... صدام الثقافة والحداثة، هشام جعيط، دار الطليعة، بيروت الطبعة الثانية، 2001م، ص 85.