كان حبكم للدنيا؟ قال: كحبّ الصبي لأمه؛ إذا أقبلت فرحنا، وإذا أدبرت جزنّا وبكينا. فقال له عيسى عليه السلام: يا هذا: ما بال أصحابك لم يجيبوني؟ قال: أمهم ملجمون بلجام من النار بأيدي ملائكة غلاظ شداد. قال: وكيف أجبتني أنت من بينهم؟ قال: إني كنت فيهم، ولم أكن منهم، فلما نزل بهم العذاب لحقني معهم، فأنا الآن معلّق على شفير جهنّم، لا أدري: أنجو منها، أم أكبّ فيها.
ذهبَ الشبابُ فما له منْ عودةٍ * * * وأتَى المشيبُ فأينَ منهُ المَهربُ
دَعْ عنكَ ما قد كانَ في زمنِ الصِّبا * * * واذكُر ذنوبَكَ وابِكها يا مُذنبُ
واذكرْ مناقشةَ الحسابِ فإنه * * * لا بَدَّ يُحصي ما جنيتَ ويَكتُبُ
لم ينسَهُ الملَكانِ حينَ نسيتَهُ * * * بل أثبتاهُ وأنتَ لاهٍ تلعبُ
والرُّوحُ فيكَ وديعةٌ أودعتَها * * * ستَردُّها بالرغمِ منكَ وتُسلَبُ
وغرورُ دنياكَ التي تسعى لها * * * دارٌ حقيقتُها متاعٌ يذهبُ
والليلُ فاعلمْ والنهارُ كلاهما* * * أنفاسُنا فيها تُعدُّ وتُحسبُ
وجميعُ ما خلَّفتَهُ وجمعتَهُ * * * حقًا يَقينًا بعدَ موتِكَ يُنهبُ
تَبًَّا لدارٍ لا يدومُ نعيمُها * * * ومَشيدُها عمّا قليلٍ يَخربُ
لا تأمَنِ الدَّهرَ الخَؤُونَ فإنهُ * * * ما زالَ قِدْمًا للرِّجالِ يُؤدِّبُ
لا تحرِصَنْ فالحِرصُ ليسَ بزائدٍ * * * في الرِّزقِ بل يشقى الحريصُ ويتعبُ
ويظلُّ ملهوفًا يرومُ تحيّلًا * * * والرِّزقُ ليسَ بحيلةٍ يُستجلَبُ
كم عاجزٍ في الناسِ يأتي رزقُهُ* * * رغَدًا ويُحرَمُ كَيِّسٌ ويُخيَّبُ
وإذا أصابكَ نكبةٌ فاصبرْ لها * * * من ذا رأيتَ مسلَّمًا لا يُنْكبُ
وإذا رُميتَ من الزمانِ بريبةٍ * * * أو نالكَ الأمرُ الأشقُّ الأصعبُ
فاضرعْ لربّك إنه أدنى لمنْ* * * يدعوهُ من حبلِ الوريدِ وأقربُ
روى صاحب طبقات الحنابلة: أن عبد الغني المقدسي المحدث الشهير, كان مسجونًا في بيت المقدس في فلسطين, فقام من الليل صادقًا مع الله مخلصًا, فأخذ يصلي, ومعه