وفي كتاب الديات والجنايات، بين أبو جعفر مذهب أبي حنيفة في الفرق بين العمد المحض وشبه العمد، والخَطَإ، وأن العمد هو القتل بحديدة، أو بليطة قصب، وهو يعبر عنه بالمحدد، أو القتل بنار، وماسوى شبه عمد فلاقصاص فيه، وفيه الدية المغلظة على العاقلة وعلى القاتل الكفارة، وليس فيما سوى النفس شبه عمد، ويقول صاحباه: إن شبه العمد ما لايقتل مثله نحو اللطمة، والضربة الواحدة بالسوط. ويقول ابن شبرمة: أن دية شبه العمد في مال الجاني، وليست على العاقلة.
وروى ابن القاسم عن مالك أن شبه العمد باطل، إنما هو عمد أو خطأ، ويقول الليث: أن ما عمد به إنسان، وإن ضربه بأصبعه فمات، فإنه يدفع إلى ولي المقتول، وهذا يعني أن فيه القوة، واعتبر الشافعي استعمال مايسبب الموت عادة. ثم إن أبا جعفر احتج لشبه العمد بحديث رواه هشيم عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة بن جوشن عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، خطب يوم فتح مكة، فقال: > ألا إن قتيل خطإ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه دية مغلظة: مئة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها< .
هكذا نرى في هذه النماذج أمثلة من الاجتهاد في الاستدلال، وحرية الرأي والتفكير، والتسامح في المعارضة والخلاف، فكل من علماء المذاهب والأمصار يعرف حجة معارضه، ويعترف بصدقه ونزاهته، وأكثرهم يقول، مثل: ما يقول الشافعي: أعتقد أن رأيي صواب يحتمل الخطأ، وأن رأي مخالفي خطأ يحتمل الصواب.