الصفحة 3 من 11

الدين ويحققها، فقد جاء فيه من التشريع ما ينظم علاقات العباد بربهم جل جلاله، وجاء فيه من التشريع ما ينظم علاقات العباد فيما بينهم، وجاء فيه من الأخلاق أكرمها وأفضلها، وجاء فيه كذلك من الحوافز والترغيب والترهيب ما يقتضي من الإنسان المبادرة إلى الطاعة والنجاح في الامتحان، ونحن جميعا في هذه الدار أي الدار الدنيا ممتحنون بامتحان من عند الله سبحانه وتعالى، والناجحون فيه قليل، ولكنهم يحرزون من الفضل والسبق ما لا يخطر على بال كما روى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل أنه قال: أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقد قال الله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} .

فرق شاسع بين من نجح في هذا الامتحان فكان من الذين آمنوا وبين من رسب فيه فكان من الذين فسقوا، فرق شاسع بينهم في مقامهم عند الله ومنزلتهم عنده، لأن كل عمل يعمله الإنسان اليوم في هذه الحياة إنما هو وظيفة يوظفه الله فيها والناس جميعا عباد له، وكل يزين له ما يعمله، فمن زين الله له العمل الصالح ويسره للطاعة، فهو ميسر لما خلق له، وأولئك هم الموظفون الذين اختار الله لهم أسمى الوظائف وأرقاها، فكانوا من نعمة إلى جنة، يعيشون في هذه الدار ما عاشوا، وهم مشغولون في الطاعة وما يرضي الله جل جلاله، فإذا ماتوا أعد الله لهم من النعيم المقيم ما لا يمكن أن يخطر على قلب أحد، والآخرون قذرهم الله جل جلاله، فوظفهم في أخس الوظائف، وشغلهم بشر الأعمال، فسلطهم على أنفسهم بمعصية الله، ولا يضرون الله شيئا، وإنما يضرون أنفسهم، وأعد لهم بعد ذلك الجزاء الوفاق، فالسيئة هي أسوأ ما يمكن أن يقع على وجه الدنيا، وجزاؤها هو أسوأ ما يمكن أن يقع في الآخرة، ولذلك فإن الإنسان لا بد أن يدرك أنه ذو قيمة، وأن له مزية، وأنه موظف وظيفة حقيقية، وعليه أن يبادر للقيام بوظيفته، وأن يعمل بها قبل أن يأتي أجله، فله مدة محددة يمكثها في هذه الحياة إذا عمل ما أمر به نجح وكان من الفائزين، وكانت حياته الدنيا منزلة عالية له، لأنه اتخذها مطية إلى الدار الآخرة، فاستغل أيامه ولياليه وأوقاته الخالية فيما يقربه من الله سبحانه وتعالى، فإذا جاء يوم القيامة أوتي كتابه بيمينه ونودي ذلك النداء الشريف: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} ،

وإذا ضيع الوقت فإنه سيندم غاية الندم، فكل يوم مضى أو شهر أو سنة أو عقد من الزمن لم يقرب الإنسان من الله ولم يزده من الطاعات والخيرات، إنما هو وبال عليه وحسرة وخصومة يوم القيامة، لأن الله تعالى يقول لأهل النار: {أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت