الصفحة 101 من 142

المناظرات مع الخصوم.

قلت: هذا الكلام إن صدق في زمن فلا يصح في أزمان كثيرة خلال المراحل التي مر بها الفقه المالكي، وإن سلمنا به عند بعض المالكية ممن آثر دراسة الفروع الفقهية مجردة، معتمدا على المختصرات، فلا يسلم عند كثير من أئمة المالكية المعروفين بالموسوعية، ومعرفة الخلاف وخصوصا منهم الذين كثر تعاملهم مع كتب السنة.

فمن كان نظره في دراسة الفقه المالكي مقتصرا على بعض شروح المختصر الخليلي من المتأخرين، أو بعض شروح الرسالة الفقهية، أو غير ذلك من المختصرات، فلا بد أن يقول مثل ما قال الشيخ محمد الأمين، ولكن هذا منهج في العلم مغلوط، فمن أراد أن يصدر مثل أحكام الشيخ محمد الأمين، فعليه أن يوسع دائرة دراسته، حتى تشمل طوائف عديدة من أتباع المذهب وينظر في الكثير من إنتاجهم العلمي، المطبوع منه والمخطوط، الكبير والصغير، في أزمان مختلفة، وأماكن متعددة، مستعملا للإنصاف في ذلك، مع أدوات في العلم لا تخفى على الدارسين وفوق ذلك يكون صاحب قدرة فائقة على استيعاب هذا التراث الوافر من آثار أعلام المذهب، وقدرة على النقد والتحليل، ونظرة فاحصة لمعرفة مواطن القوة والضعف في هذا الإنتاج الغزير الذي تركه أعلام المذهب، وهذا كما ترى أمر- حتى تكون أحكامه قريبة للحقيقة والواقع- لا تقوم به إلا أمة عظيمة من الناس. أما أن يمسك أحد قلمه ثم يكتب مثل هذه الأحكام الجائرة، مستعملا لأسلوب التعميم الذي هو آفة البحوث المتسرعة، وأحيانا ما يقارب التعميم حتى يجعل لنفسه مهربا إذا ما ناقشه أحد، فهذا أسلوب لا يعجز عنه أحد من الناس، ولكن ما قيمة هذه النتائج الصادرة عن مثل هذه المقالات والبحوث القاصرة؟! لا شك أنه لا قيمة لها، ولا وزن لها في ميزان العلم الصحيح، فإذا جمعت مع هذا الضعف العلمي= التحامل والتجني على أناس برأهم الله مما يقولونه فالخلل سيتعاظم حينئذ ولا شك، ولن يكون لهذه المقالات من أثر إلا إحياء التعصبات المذهبية والأحقاد المفسدة للقلوب، والفتن المذهبية المهلكة للأمم والدول.

والشيخ محمد - مع حكمه العام الشامل على الإمام وتلامذته - لا ندري كيف يرى عمل الإمام مالك في الموطأ، هل ما قام به يدل على معرفة بطرائق الاستدلال والتأصيل، أم ماذا يرى الشيخ؟!!

ثم ما قام به الإمام سحنون - رحمه الله - من التأصيل والتدليل على كثير من مسائل الإمام وتلميذه ابن القاسم، في المدونة، حتى بلغت الأحاديث المرفوعة فيها أكثر من خمسمائة وخمسين حديثا، عدا ما فيها من أقوال الصحابة والتابعين، وغيرها من أدلة الاستنباط.

ومن ذلك كتاب الهدية، أو الهداية لعيسى بن دينار ت212ه، عده العلامة ابن حزم من مفاخر الأندلس، في رسالته المشهورة [فضائل الأندلس وأهلها] ص12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت