فهرس الكتاب
التنبيهات مني ومن إخوانه في الملتقى، فهذه ميزة أهل العلم، الرجوع إلى الحق متى ما تبين، والجاهل لا يرده شيء.
ثم إني أقول لشيخي الفاضل - لازال موصولا بكل خير- لا تظنن أني إذ كتبت ما كتبت = في غفلة عن بعض ما في المذهب من هنات، أو بعض مخالفة لما صح من السنة، أو في غفلة عما أخذه أهل العلم على بعض أتباعه المتأخرين من شدة في التقليد، أو قصور في طرق التدريس، أو ضعف في طرائق الفتوى، أو خلل في منهج التأليف، أو إغراق في اختصار علم الأوائل، و كثرة الاعتماد على تلك المختصرات، وإيثارها على غيرها من كتب فحول المذهب المعللة والمدللة، مما تسبب في إفساد غير قليل في الفقه وطرائق تعلمه وتعليمه، كل ذلك - يا أخي- لمست بعضه لمس اليد، وسمعت بعضه من أفواه أشياخي، وقرأت أغلبه في كتابات الشاطبي والمقري، وابن عبد البر، وابن العربي، و الباجي، والقباب، وغير هؤلاء كثير من القدماء، وأما من المتأخرين فمن أمثال أحمد بن الصديق، والطاهر ابن عاشور، ومحمد بن الحسن الحجوي الثعالبي وغيرهم - رحم الله الجميع بمنه وكرمه-.
والأمر عندي - أخي- بالنسبة للمذاهب، كما قال العلامة أبو عبد الله المقري في قواعده، 1/ 396: (لا يجوز رد الأحاديث إلى المذاهب على وجه ينقص من بهجتها، ويذهب بالثقة بظاهرها، فإن ذلك إفساد لها، وغض من منزلتها، لا أصلح الله المذاهب بفسادها، ولا رفعها بخفض درجاتها .. ) .
وأما نظرتي للعلماء كافة - رحمهم الله، وجزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء- فكما قال الإمام الشاطبي: (إن تحكيم الرجال، من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشرعي، المطلوب شرعا ضلال، وإن الحجة القاطعة، والحكم الأعلى هو الشرع لا غيره) .
فأرجو أن يفهم الشيخ عني هذا، ولا ينسبني في كلامي الأخير إلى شيء لا يحمد، أو يرى أني تراجعت عن بعض قولي السابق، فإن فهم الشيخ هذا، أو حاوله، فلا يسعني إلا أن أقول كما قال علامة الأندلس - وإن كنت على غير مذهبه: (لا آفة على العلوم وأهلها، أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون، ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدّرون أنهم يصلحون) .
وبعد - أيها القراء الكرام-(لعل فيما تقدم كشفه من خلل، وسبق بيانه من علل، كفاية وغناء، يقطع عنكم الجدل، ويزيح عنكم الدغل.
ولقد شهدت - شيخنا الفاضل- وشهد القراء الكرام، أن العلم في زماننا قد استدبر، وأن البغاث بأرضنا قد استنسر.
قد أعوز الماء الطهور وما بقي ... غير التيمم لو يطيب طهور)
[ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم]
والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على محمد و على آله وصحبه ومن سلك سبيله إلى يوم الدين.