الصفحة 122 من 454

''وليس في هذا خطورة لأنها لا تمس العقيدة ولا تمس جانب الألوهية والنبوة، إنما الخطورة والهلاك في الغلو ورفع الناس فوق منازلهم، وفي ذلك مس للعقيدة ولجانب الألوهية والنبوة، وفي ذلك الخطورة والهلاك (إنما أهلك من كان قبلكم الغلو) '' [1] اهـ

أقول: إن الأستاذ يملك قدرة هائلة على قلب الحقائق رأسا على عقب، وإيهام القارئ بأن ما يقوله حق وصواب، وما يقوله الخصم زور وبهتان.

فإذا كنت أنا قد دافعت عن النقاد ومنهجهم في النقد في ضوء الأدلة والحيثيات العلمية، ويعتبر الأستاذ ذلك تقديسا وصوفية، فلماذا لا يرى في عمله التقديس والصوفية ورفع الناس فوق منازلهم، إذ كان شاذا حين دافع عن الحافظ المزي فيما ذهب إليه من غير دليل علمي مقنع، وقدمه على النقاد، وآثر رأيه على رأيهم، ورفعه فوق منازلهم؟!

فهو كما قيل: رمتني بدائها وانسلت!

ولماذا لا يفرق بين تقديس الأشخاص والآراء، وبين الدفاع عن الحق والصواب في ضوء الأدلة؟!!

أليس من الواجب أن ننظر فيما يقوله المخالف، لمعرفة مدى اعتماده على الأدلة؛ فإن اعتمدها فإنه لا يكون مقدسا لأحد، وإلا فهو مقلد أو مقدس.

أما دفاع الأستاذ عن زلله ومجازفاته قائلا بأنها منطق إسلامي وبه أخذ العلماء فطامة أخرى، إذ يأخذ الأشياء بغير حقائقها، ثم يموه بواطله بأنها الحق.

ألا يرى فيما أتى به من تاريخ الأئمة برهانا واضحا على زلله ومجازفاته؟!! حيث إن الإمام الشافعي وصاحبي الإمام أبي حنيفة والبخاري وأبا حاتم كانوا علماء مطلعين على حقائق المسائل وأدلتها المقنعة، واختلف بعضهم مع بعض في ضوء ذلك لكن دون الخروج عن أدب الحوار.

وكيف يقارن نفسه بالإمام أحمد والبخاري والدارقطني ... أين الثرى من الثريا؟!!

هذا والأستاذ لا يملك في مجال التصحيح والتضعيف والترجيح إلا النظر في أحوال الرواة، وظواهر الأسانيد. لذا، لا يستطيع أن يصحح إلا الأسانيد دون الأحاديث، أما معرفة القرائن الخاصة المحيطة بها وفقه دلالاتها وتصحيح الحديث سندا ومتنا فمما يتميز به النقاد، وبهذا ينجلي التباين الحقيقي بينه وبين هؤلاء الأئمة، وأصبح هو في واد بعيد عن واد العلم الذي تمركز فيه الأئمة النقاد.

وعلى كل يجب على الأستاذ أن يصحح زلته، فقد نَصَحَنا الأئمة المتأخرون باحترام النقاد وقبول آرائهم في الحديث ورواته تصحيحا وتعليلا، وجرحا وتعديلا. وهذه بعض نصوصهم بهذا الصدد:

قال الحافظ ابن حجر:

'' ... فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه، وهذا الشافعي مع إمامته

(1) - منهج مسلم، ص: 138

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت