متروكا أو كذابا، أو نحو ذلك. فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في مواقفهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم'' [1] .
تعليل النقاد لحديث ابن عمر وبيان وجهه
ونعود إلى موضوعنا وهو تعليل النقاد لحديث ابن عمر - مع كونه مرويا عن
عبيد الله وموسى الجهني عن نافع عن ابن عمر - لننظر لماذا أعلوه، وما سبب ترجيحهم لرواية الليث وابن جريج عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة.
ولا يفهم من ترجيحهم لرواية الليث وابن جريج أن النقاد غفلوا جميعا عن أحوال الرواة الذين خالفوهما، أو أنهم اعتبروا كلا منهما أفضل وأوثق وأحفظ من عبيد الله بن عمر وموسى الجهني عموما، وإنما ينبغي أن يفهم من ذلك أن النقاد إنما قدموا رواية الليث وابن جريج في هذا الحديث لوجود قرائن علمية غير التي ذكرها الأستاذ، دلت على أن روايتهما أسلم من العيوب من غيرهما، وأكثر بعدا من الخطأ والنسيان.
فإذا كان هذا أسلوب النقاد في التصحيح والترجيح، فما قيمة دعوى الأستاذ:
''لو درس أبو حاتم أو غيره من الأئمة حتى البخاري دراسة وافية لما تجاوزوا - في نظري - النتائج التي وصلت إليها .... ''؟!
وقد وجدنا بعض النقاد قد رووا تلك الروايات التي نقلها الأستاذ، وكانوا أدرى بخصائص كل راو منهم ومزاياه الشخصية، ثم اتفق كل من الإمام البخاري والدارقطني والنسائي والقاضي عياض على ترجيح رواية الليث وابن جريج عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة، مع اختلاف عصورهم وبلدانهم، ولم نجد عليهم اعتراضا من النقاد الآخرين [2] ، ثم إنه ليس في ذكر الإمام مسلم في كتابه (الصحيح) تلك الروايات المختلفة على نافع في أواخر الباب، دليل على أنه يريد تصحيح هذه الروايات، كما بينته مفصلا في النقطة الأولى، فإذا كان هذا هو الواقع كيف يتبجح بقوله:
(1) - اختصار علوم الحديث مع الباعث الحثيث: 79
(2) - علق عليه الأستاذ بقوله: '' أعجب لهذا الرجل على جهله البالغ وتطفله على علم يجهله، يقول هذا الكلام بعد أن ذكرت له أن النووي والمنذري وابن حزم قد صححوا حديث ابن عمر، فيتجاهلهم ولا يعتبرهم من النقدة متعاليا عليهم وعلى غيرهم ممن صححوه وصححوا شواهده الكثيرة، والذين يبلغ مجموعهم أكثر من خمسة عشر عالما، وأزيد الآن رجالا صححوا حديث ابن عمر ألا وهم البيهقي وابن حجر والسنوسي وأحمد شاكر .. اهـ (منهج مسلم ص: 149)
أقول: هذا أنموذج واضح لخلطه بين المصادر الأصيلة والمراجع المساعدة في علوم الحديث، وقد عالجنا ذلك في أبحاث مستقلة، راجع كتاب (الموازنة) . وقد نقلت قبل قليل عن المتأخرين أنفسهم ما يرد عليه، حيث نصحونا بالتسليم للمتقدمين، خاصة إذا اتفقوا.