''ولا يستطيع عاقل بعد إدراكه كل هذه المرتكزات القوية أن يقول إن أسانيدها كلها منتقدة معللة، وإن مسلما أوردها لبيان عللها وإيضاحها''.
أما كون الإمام الدارقطني والإمام البخاري والقاضي عياض قد وقفوا على تلك المزايا التي استدرك بها الأستاذ عليهم، فذلك أن الدارقطني قد أورد في العلل رواية موسى الجهني وعبد الله بن عمر العمري وعبد الله بن نافع، ولا استعبد وقوف الإمام البخاري على رواية هؤلاء، لما نعرف عنه من الاهتمام في النقد بجمع الروايات وحفظها، ورحلته إلى القرى والمدن من أجل لقائه بالشيوخ، حتى قال شيخه عمرو بن علي الفلاس:''حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث'' [1] .
ومن المعلوم أن النقد يتوقف على جمع الروايات واستيعابها، لا سيما إذا كانت مشهورة برواية الأئمة الثقات.
قال ابن معين: ''لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه''.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: ''الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضا''.
وقال ابن المديني: ''الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه''. [2]
إذن يكون من المستبعد أن يقال: إن البخاري لا يعرف رواية عبد الله بن عمر العمري وابن نافع لمجرد كونه لم يوردها في التاريخ الكبير. هذا وقد ذكر الدارقطني رواية موسى الجهني مع رواية عبيد الله، ثم وقف القاضي عياض على تلك الروايات كلها، لكنهم لم يراعوا عند الترجيح هذه الروايات ولم يلتفتوا إليها لقوة شعورهم بأن من روى الحديث عن نافع عن ابن عمر قد وهم.
فالمرتكزات العلمية التي تبجح بها الأستاذ ليست أمرا جديدا على النقاد، حتى يستدرك بها عليهم في مجال النقد. ولو كانت هذه الأمور معتبرة هنا لكان الدارقطني الذي أورد تلك الروايات أول من اعترض على البخاري والنسائي! ولم يفعل ذلك، بل انضم إليهما في التعليل.
وقد ذكر الإمام الدارقطني رواية أيوب في التتبع، وحكم بشذوذها، وأما أحوال
عبيد الله وغيره وما لهم من المزايا، فهؤلاء الأئمة أدرى بها، ونحن عالة عليهم في جميع ما يتصل بالحديث ورواته.
إذن فما هي القرائن يا ترى لتعليل حديث ابن عمر، وترجيح حديث ميمونة عليه؟! وبدون الممارسة الحديثية لا يمكن لنا تحديد ما تقوى به ظنهم في ذلك، ووصفه في نقاط معينة، إلا أننا نحاول بقدر الإمكان أن نجد هنا ما قد يكون قرينة، بناء على أسلوبهم في تعليل أحاديث الثقات الأئمة، وما ورد عنهم من النصوص والتوضيحات في هذا الجانب النقدي. وحتى إذا لم نعرف دليلهم في التعليل فعلينا أن نحترمهم ونقبل منهم ذلك، دون استفسار عن الأسباب، ليس لكونهم معصومين، وإنما لكونهم من أهل هذا العلم وأئمته.
(1) - الهدي ص 483
(2) - انظر الجامع لأخلاق الراوي 2/ 212