وهذه القرينة - فيما يبدو - أن عبيد الله بن عمر لازم نافعا ملازمة طويلة، مع كونه حافظا متقنا ومن أهل بلده. وبهذا كان من أعلم الناس بحديث نافع، بحيث لا يخفى عليه شيء من أحاديث نافع، فلو حدث نافع بذلك الحديث - حديث صلاة في مسجدي - عن ابن عمر وعن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن ميمونة، سواء كان ذلك في مجلس واحد، أو في أكثر من مجلس، فلا بد إذن أن يكون ذلك الحديث عند عبيد الله بكلا الوجهين، لأنه أعلم الناس بأحاديث نافع، وما عنده من الروايات، وأدرى بنوادرها، وخاصة حين حدث به ابنَ جريج المكي والليثَ بن سعد المصري، وكان ذلك في فترتين مستقلتين على الظن الغالب. ومع ذلك لم يرو عبيد الله إلا من وجه واحد، وهو عن نافع عن ابن عمر.
وعدم رواية عبيد الله عن نافع بكلا الوجهين يعد قرينة على أن نافعا إنما حدث ذلك الحديث من طريق واحد، إما عن ابن عمر مباشرة، أو عن إبراهيم بن عبد الله عن ميمونة. ومن خلال المقارنة بين الروايتين وجدنا رواية نافع عن ابن عمر أكثرهما احتمالا لسلوك الجادة، وأقربهما احتمالا لوقوع القلب والوهم، لشهرتها وكثرة تداولها على الألسنة، بخلاف رواية الليث وابن جريج عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة.
والإنسان من طبيعته أن يميل إلى ما هو أبعد عن الخطأ حين يشتبه عليه الأمر. وربما لهذه القرينة - فيما أرى - أن الإمام الدارقطني وغيره من الأئمة رجحوا رواية الليث وابن جريج، بدون أن يأخذوا بتلك المزايا في حسبانهم للترجيح، وهذا هو سر الاتفاق بينهم على اختلاف عصورهم، وبلدانهم.
ومن الجدير بالذكر أن مثل هذه القرينة لا يحس بها تلقائيا إلا من له ممارسة طويلة لهذا الشأن، أما الآخرون فيصعب عليهم قبول ذلك، بل يغترون بقرائن عامة ظاهرة.
ولنفرض جدلا أن البخاري فاتته رواية عبد الله بن عمر العمري شقيق عبيد الله بن عمر، ورواية عبد الله بن نافع ورواية عطاء فإن ذلك لا يضره أبدا، ولا يغير حكمه، بل يظل تعليله لحديث ابن عمر في منتهى الدقة؛ لأن القرينة التي تحيط به تدل على أن من روى الحديث عن نافع عن ابن عمر قد سلك الجادة! والدارقطني الذي روى هذه الروايات لم يغير الحكم الذي حكم به البخاري، بل أبرز دقته في الفهم وسداد رأيه في التعليل.
فالذي يرى صحة الروايتين جميعا خلاف ما ذهب إليه النقاد، عليه بيان ما يقوى ظنه به، كأن يذكر رواية عبيد الله بكلا الوجهين عن نافع، أو أن يأتي من خلفياته العلمية الخاصة برواية أخرى تجمع بين الوجهين جميعا [1] ، ولا يكفي هنا مجرد الادعاء بأن الصواب صحة الروايتين، وأن حديث ابن عمر أصح. وهذا سهل لمن يتجرأ على هذا العلم العظيم.
(1) - انظر كتاب النكت الذي حققه الأستاذ 1/ 382 - 383. ينقل الأستاذ من سنن الترمذي ما يؤيد قولي، وهذا نصه:
''قال الترمذي بعد أن روى الحديث بإسناده عن رافع بن خديج مرفوعا وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج، وذكر عن علي بن المديني أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس، لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعا حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس. الترمذي 3:136. قال الشيخ ربيع: انظر إلى علي بن المديني، كيف صحح الحديثين جميعا؟!! صححهما بدليل أن يحيىرواه جمعا بينهما. ولم يكن ذلك بمجرد ادعاء ولا بمجرد احتمال''. ما أحسن تعليق الأستاذ هنا!
وقال المعلمي: إذا روى الرجل الحديث على وجهين: تارة كذا، وتارة كذا، ثم رواه فجمعهما معا دل ذلك على صحتهما معا. (فوائد في كتاب العلل لابن أبي حاتم، ص: 27، تحقيق عبد الرزاق)