الصفحة 41 من 454

والحديث الذي لم يختلف في صحته يقدم على المختلف فيه حتى وإن كان من رواية الأئمة، وغير ذلك من الخصائص التي شرحناها في كتابي (العبقرية) .

ثم إني لم أكن أحكم باجتهادي على أي حديث من أحاديث صحيح مسلم بأنه معلول بمجرد أنه ورد في آخر الباب، إلا إذا أعله أحد النقاد، فعندئذ أقول إن مسلما أورده إما للاحتياط أو الاستئناس أو للاستدلال بالقدر الذي لم يقع فيه اختلاف أو إعلال، أو إنه (رحمه الله) يرى صحة ذلك الحديث، ويقتنع بها، مخالفا لغيره من النقاد، كل ذلك حسب التتبع والقرائن، وليس تخمينا.

والخلاصة: أن الحديث الذي ذكره مسلم في أواخر الباب لا يكون أصح مما قدمه في أوله، بل دونه صحة عند الإمام مسلم. وذلك حسب الخصائص العلمية التي يرتكز عليها المحدثون قديما وحديثا، والتي شرحناها في كتاب (عبقرية الإمام مسلم) ، لكن الأستاذ أبى إلا أن يسخر منها.

وما أصدق قول القائل: ''الناس أعداء ما جهلوا''.

وفيما يأتي الإجابة عن مغالطات الأستاذ.

المغالطة الأولى: زعمه أن حديث ابن عمر في القمة من الصحة

قال الشيخ: يرى الباحث أن هذا الجهد الذي بذله مسلم في اختيار أصح الطرق وأقواها إنما هو لشرح وإيضاح العلل في هذين الحديثين - غفر الله له وسامحه .. فما كان للأخ من حق أن يأخذ هذه الجملة من قول مسلم، ويهرع مسرعا بها إلى تعليل حديثين ... كلا ثم كلا''.

أقول: نعم، إن الإمام مسلما إنما أتى بحديث ابن عمر وميمونة لبيان العلة في حديث ابن عمر بذكر وجوه الاختلاف التي دارت على نافع الذي هو مخرج هذين الحديثين، بعد أن اعتمد حديث أبي هريرة المتفق على صحته بين النقاد. غير أن قول الأستاذ بأن هذه الروايات في القمة من الصحة فغير صحيح على الإطلاق. لأن من أهم عناصر الصحيح خلو الحديث من الشذوذ والعلة، ولم تستوف هذه الروايات سوى ثقة الرواة واتصال السند.

لذا، فإن هذه الروايات في نظر الأئمة؛ كالبخاري والنسائي والدارقطني، معلولة. والإمام مسلم إذ أورد هذه الروايات في أواخر الباب أجاد في تعامله معها بوضعها في مكانها المناسب، وأصبح بصنيعه هذا موافقا لأولئك النقاد.

لمزيد من الشرح أعرض هنا طريقة الإمام مسلم في ذكر هذا الحديث الذي هو محل حوار بيني وبين الدكتور ربيع:

قال الامام مسلم رحمه الله في صحيحه [1] :

(1) حدثني عمرو الناقد وزهير بن حرب، و اللفظ لعمرو قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه و سلم قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام.

(1) - 9/ 163 (مع شرحه للنووي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت