على عواطفهم، وإيهامهم بأن عمله ذلك إنما هو ليخدم السنة ويدافع عنها، وأن مخالفه الذي يحاوره يحاول بخفية هدمها ومهاجمتها.
وقد سعى الأستاذ جاهدا إيهام القراء بأني أهيئ نفسي لهدم السنة النبوية، ولنسف صحيح مسلم ثاني أصح مصادرها من خلال تقعيد قاعدة خطيرة!.
ما هي القاعدة الخطيرة التي تنسف صحيح مسلم وتهدم السنة النبوية؟!
إذا كانت القاعدة هي أن الإمام مسلما يشرح العلل في صحيحه بالتقديم والتأخير، وأن كل ما أخره مسلم من الأحاديث حتى وإن كانت مروية بأصح الأسانيد لم يؤخرها مسلم إلا لكونها معلولة، فاعلموا - إخواني رحمكم الله - أني بريء منها كبراءة الذئب من دم يوسف!، والله شهيد على ما أقول.
وليس في كلامي الموجه إليه، وأبحاثي المنشورة وغير المنشورة وكتبي التي ألفتها حتى اليوم ما يدل على هذه القاعدة ولا تقعيدها، لا نصا ولا ضمنا. وكتاب (عبقرية الإمام مسلم) الذي خصصته لبيان دقة مسلم في ترتيب أحاديثه في الصحيح حسب خصائصها ولطائفها، خير شاهد على ذلك؛ إذ لم أعل فيه حديثا بمجرد كونه مذكورا في آخر الباب، وفيه اثنان وعشرون مثالا من صحيح مسلم.
فإذا علمنا هذه الحقائق فعلينا أن نتساءل ما مصداقية كتابيه: (منهج مسلم) و (التنكيل) الذين ملأ صفحاتهما بالسباب والشتائم والتهم بناء على خطئه الأول في فهم كلامي، وتقوله علي بأن الإمام مسلما يشرح العلل بالترتيب والتقديم والتأخير، دون أن يتراجع عن هذا الخطأ الذي بينته في ضوء الأدلة، بل أصر على تضليله، رافضا لنصوصي الواضحة الجلية في أن مسلما يشرح العلل أحيانا بذكر وجوه الاختلاف، وأن هذا الشرح لا صلة له بالترتيب الذي يقوم على مدى استيفاء الحديث لخصائصه العلمية التي تجعله أسلم من العيوب.
إن شرح العلل بذكر وجوه الاختلاف على سبيل الاستطراد، هو الذي كنت أقول بأن الإمام مسلما التزم به في صحيحه، بناء على قوله في المقدمة إلى جانب عمله التطبيقي في كتابه الصحيح. ولم أكن بذلك شاذا، لأنه مما قال به قبلي الأئمة الكبار والعلماء الأفذاذ، بغض النظر عن التفاصيل الجزئية، منذ أن شرح ذلك القاضي عياض إلى يومنا هذا. ومن أواخرهم الشيخ الفاضل مقبل (رحمه الله تعالى رحمة واسعة) في تحقيقه لكتاب (الإلزامات والتتبع) للدارقطني. وحتى الشيخ ربيع هذا صاحبنا في الحوار كان يؤمن بذلك، قبل أن يتراجع عنه لسبب تكتيكي كما يقولون!.
وأما الترتيب فقد صرح الإمام مسلم بتقديم الأصح فالأصح، وتبين لنا ذلك من خلال ما قمنا به من الاستقراء الدقيق لجزء كبير من أحاديث مسلم؛ فقد كان يراعي ترتيب أحاديث الثقات الصحيحة حسب خصائصها ولطائفها؛ فما كان منها أشهر يصدر به الباب ثم يذكر ما دونه شهرة، وما كان منها عاليا بمختلف معايير العلو يقدم على الإسناد النازل [1] ، والحديث الصحيح الذي تسلسل بمختلف معاييره يقدم على غيره،
(1) - وصاحبنا لا يهتم في العلو إلا بالعدد.