فهرس الكتاب
لقد انقسم الشعراء الرومانتيكيون في سورية ولبنان إلى فئتين، فئة تخلّت إلى حدّ ما عن النظام الذي سارت عليه بحور الخليل بشكلها الصارم (أي استخدام التفعيلات الكاملة التّي ترتكز على موروث بلاغي يحافظ على إيقاع صوتي حاد للمفردة) ، وفئة أخرى حافظت على ذلك النظام متأثرة بالمدرسة الإحيائية، إذ عاصر بعض الشعراء المرحلتين الرومانتيكية والحديثة في الشعر وظلوا محافظين بشكل كبير على لغة المدرسة الإحيائية، لهذا فمن الصعب إدراجهم في قائمة الشعراء الرومانتيكيين، وأخذت الموسيقى عندهم -بشكل عام- تتجه إلى كونها غاية وليست وسيلة.
نستهل دراستنا عن الموسيقا بالوقوف عند الشاعر (عبد الباسط الصوفي) ، فـ"قليلًا ما يستعمل عبد الباسط البحور الرباعية التفاعيل كالطويل والبسيط، وإنما يعمد على الأغلب إلى استعمال ما كان منها ثلاثي التفعيلات، ويميل إلى المجزوء منها اغناء للزخم الموسيقي" [1] ، وهو يميل في القصيدة الواحدة إلى التنويع في القوافي وإلى الحفاظ على حالة التداعي (الكتابة الميكانيكية الآلية) ، وبذلك يستخدم الوزن على أساس سليم كوسيلة جيدة للتعبير عن الحالة."
إن شعر عبد الباسط الصوفي"لا يمثل النزعة الغنائية بمعناها الرومانسي المتعارف عليه، وإنما يمثل هذه النزعة الغنائية بمعناها الحقيقي، وهو صلاحيته للغناء بحناجر المغنين وأصواتهم" [2] ، وهذا لا يعني بالضرورة أن إظهار البناء النفسي -الذي تقوم به الموسيقا- مضمحلّ، بل إن الإيقاع عند الشاعر يساعد على إظهار المستوى الدرامي أيضًا.
من قصيدة (نشيد) اخترنا الأبيات التالية: [3]
الريحُ سكرى، يا حبيبُ، فهل أنام على الدروبِ
وعلى الجبين أناملي، كالنار، راعفة اللهيب
وتنهّدْتْ شكوى.. وغار الليل في الصوت الرطيب
هذيانُ هدبي.. والفراغُ يموج بالصورِ الغريبهْ
(1) اسكاف، ممدوح، عبد الباسط الصوفي، ص211
(2) المرجع السابق ص72
(3) الصوفي، عبد الباسط، الأثار/ ص47.