فهرس الكتاب
فتوقف أخيرًا عند الإجابة غير القاطعة عن رحلته عبر تعبير (الريح أدرى) ، فمفردة (أدرى) ليست جزمًا بالوضع النهائي للشقاء عند الشاعر، حيث تعطي هذه المفردة أكثر من احتمال لذلك الوضع، وعلى الرغم من أن الشاعر يدرك سلفًا استحالة الإجابة عن التساؤل الذي جاء به (فأين يا أين) ؟ نراه يلجأ إلى إحدى مكونات الطبيعة لتعميق مصابه والتأكيد أن الحل في يد قوة مترجحة غاشمة، وهنا المفارقة، ومن هنا تكتمل في هذا البيت العناصر التي تخوِّله أن يكون حصيلة للتخبط والتشتت بما يحمله من سخرية تنطوي على الشعور القاتم باستمرارية الحياة وذلك عبر تساؤل لا يخلو من الغرابة والطرافة (فأين يا أين ألقي عصاي؟) . وجواب (الريح أدرى) هو ممكن السخرية، فالريح مصدر التبعثر والعشوائية، ولا طائل من الثقة بها.
إن الشاعر عندما قال (الريح أدرى) منح التحكم بمصيره لشيء خارج عن إرادته هو (الريح) ، وهذا لأنه عاجز عن التحكم بمجريات الأمور، ولقد جاءت كلمة (عصاي) مطابقة لمعنى (حالي) أو (نفسي) والتقدير (فأين يا أين ألقي بنفسي) ، وبشكل عام فإن بناء الحالة قد اعتمد على الحوار الداخلي الممتلئ بالسخرية المرة (وقيل.. لوَّح أفقٌ.. أستغفر التيه.. حشرًا) وهي سخرية ناتجة عن عدم الثقة بالذات المريضة التي أوقفت الزمن (الزمن النفسي) تمهيدًا للموت والعدمية.
لقد أشرنا مسبقًا إلى أن /المعذب/ لم يتبلور في نصوص الشاعر (عمر أبي ريشة) أو في نصوص (الأخطل الصغير) ، فالحزن والبكاء كظواهر نفسية لا تشكل سمات (المعذب السوداوي) إلا إذا كانت مستقرة ودائمة في النفس البشرية وذات جذور راسخة، بيد أن تكل الظواهر مؤطرةٌ ومحدودة زمنيًا عند شاعرنا أبي ريشة وتزول بزوال المسبِّب لوجودها، وعادة ما تظهر السوداوية عند أبي ريشة في قصائد الرثاء [1]
(1) يقول عمر أبي ريشة في رثاء حلمي الأتاسي:
كان لي في قرارة الأقداح ... ما أروّي به غليل جراحي
ربّ نجوى على الطلا همستها ... في حياتي، حناجرُ الأتراح
لطمت في ذهولها جبهة الخطـ ... ب وأرخت على دجاه صباحي (مدور)
وسمت بي عن عالم، ملءُ جنبيـ ... ـه حنين الأشباح للأشباح (مدور)
سلوةٌ سلها العياء فلا الحلـ ... ـم إزاري ولا العزاء وشاحي (مدور)
1947 الديوان /دار مجلة الأديب/ مطبعة الكشاف ص 88-89