الصفحة 18 من 21

لازم ذلك أن يتساوى الجميع من حيث العلم أو يتحد من حيث جنسه ونوعه أو يكون عند كل ما عند الإنسان أو يفقه الإنسان بما عندها من العلم قال تعالى حكاية عن أعضاء الإنسان: {قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} فصلت / 21.وقال: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} . ..

وإن كان كذلك فما من موجود مخلوق إلا وهو يشعر بنفسه بعض الشعور وهو يريد بوجوده إظهار نفسه المحتاجة الناقصة التي يحيط بها غنى ربه وكماله لا رب غيره فهو يسبح ربه و إن ينزهه من الشريك وعن كل نقص ينسب إليه. (107)

وقد جعل العلامة المصطفوي العلم فرع الحياة بقوله:

"فالجامد ما دام فيه الحياة وقواها فعليه، أي قوة الاستمساك والتجاذب بين الأجزاء وما يلحقها، يلازمها"

العلم الحضوري، أي الحضور والإحاطة على الأجزاء في مرتبة حياته، وكذلك النبات إذا كان له نماء وطراوة

وحياة في عالمه ولقواه فعلية: فهو عالم، أن الحياة فيه تلازم الحضور والإحاطة على الأجزاء وعلى ما يلحقها، وهذا العلم يوجب إدارة أموره وتدبير قواه وتأمين النظم بين أجزائه، وكل هذا بمقتضى مرتبته ونصيبه من الحياة الموجودة. ويشتد العلم كلما اشتد نور الحياة مرتبة فمرتبة (108) ". ثم يقول:"ان الحياة وقواها تشتد وتزيد وتتجلى قوية في مرتبة الحيوان (109) .

إن هذين النصين يؤكدان اشتراك الموجودات جميعا ً في نيلها حظا ًمن الشعور والإدراك في نفس الأمر والواقع، سواء أدركه الإنسان كما في فهم سليمان منطق الطير،

وفقه لغة النمل، وعلم النبي بتسبيح الحصى التي في يديه أم لم يدركه، فهو أمر كائن، احتجب عن القابعين في سجن الدنيا، والمحتجزين في أقفاص المادة، لأن الموجودات من حيث حضورها عند الله مدركة شاعرة، وإذا ما اشتدت حركة الإنسان في سيره نحو الله وطهرت سريرته، ارتفعت عنه الحجب، وأدرك معنى تسبيح الموجودات وصلاتها.

مما تقدم يتضح: أن العلم من حيث هو مفهوم ينسب الى كل مرتبة من مراتب الوجود، وينال كل منه بحسب سعته ودرجته الوجودية، فالله عز وجل ينسب إليه هذا المفهوم، وهو قاصر من أداء ما وراءه لأن الكل مستفاد منه، ومخلوق له، وتحت ملكه وقهاريته، حتى هذا المفهوم لولا الله لم يكن هناك سبيل لظهوره ومعرفته. وينسب الى مرتبة الملائكة، وهو نحو من حضور الأشياء لديها، ولولا التعليم الإلهي، لم يكن ثمة علم، وهناك علم للجن وهو دون علم الملائكة.

وعلم الإنسان يختلف عن العلمين السابقين من حيث المقام والمرتبة الوجودية فمنهم من يعلّم الملائكة، ومنهم من لا يستحق عليه إطراء كعلم العوام بأمور حياتهم.

ولا يخفى ان مرتبة الإنسان الوجودية هي فوق مرتبة الملائكة؛ لأن فيه تلك الوديعة التي هي من سنخ الله عز وجل، وتقبل لأن تكون مظهرا ً لله عز وجل في جميع أسمائه.

وقد تبين كيف ان الخليفة تحمل التعليم الإلهي الذي لم يسع مرتبة الملائكة أن تتحمله، فوقعت ساجدة له، خادمة بين يديه، وما ذلك إلا لأن حقيقته فوق حقيقتها، ومرتبته فوق مرتبتها.

إن الانتساب الى كل هذه الجهات لا يجعل المفهوم متباينا ً، بل هو واحد، ولكن يختلف من مرتبة الى أخرى بالشدة والضعف، وفي مفهوم الشجاعة والكرم ما يدلنا على ذلك

الهوامش:

(1) التحقيق في كلمات القرآن 10/ 119.

(*) ان هذا الطرح أدق مما قاله صاحب المقاييس في مادة (ك ل م) من انه (( يدل على نطق مفهم ) )؛ إذ لا يمكن تطبيقه في مورد المعنويات والروحانيات المجردة.

(**) لما كان لهذا الوجود حيثيتان مجردة ومادية، تحرك، في ضوئها، باتجاهين: إما باتجاه روحه وباطنه، أي انه يشتد باتجاه عالم الغيب، وإما باتجاه غرائزه ونزواته، فيشتد الى المادة ويتثاقل الى الأرض. . وقد دأب القرآن على تحريك الإنسان نحو كماله المنشود وغايته السامية، ويصرفه عن حب النساء والشهوات والقناطير المقنطرة.

(*) ان تلبس الروح بقفص المادة يجعلها محكومة بأحكامها، ومن ثم فان الركون الى هذه الجهة وإغفال الجانب المعنوي، يفضي الى الفهم السطحي، وهذا ما حدا ببعض العلماء الى جعله من موجبات ظهور التشابه في القرآن الكريم. ينظر الميزان 3/ 67 - 71.

(2) ينظر: تفسير القرآن الكريم، صدر الدين الشيرازي 6/ 58.

(*) قد يراد من الجمع الملائكة المدبرة شؤون الخلق بإذنه تعالى، ولا استقلال في العلم بين الاثنين ولا بينونة؛ لأنهم مظاهر مجردة له عز وجل، وكل ما يؤديه المظهر ليس له استقلال عن الظاهر. ينظر في شأن تدبير الملائكة التوحيد 2/ 375 وما بعدها.

(**) إذا جاء اسم التفضيل مجردا ً من ال والإضافة، لازم حالة واحدة، سواء أكان المستعمل معه مفردا ً أم جمعا ً. ينظر: أوضح المسالك 2/ 294.

(3) ينظر: المنهج الجديد في تعليم الفلسفة 2/ 285، 294.

(4) شرح المفصل 7/ 4.

(5) ينظر: الفعل زمانه وأبنيته 23.

(6) ينظر: التحرير والتنوير 23/ 95.

(7) ينظر: التحرير والتنوير 30/ 134.

(8) ينظر: البيان في تفسير القرآن 373، تفسير أبي المسعود 4/ 35، التحرير والتنوير ... 9/ 157.

(9) ينظر: الميزان 9/ 123، البيان 373 - 374.

(10) التوحيد 1/ 270.

(11) ينظر: التحرير والتنوير 9/ 157.

(12) التفسير الكبير 5/ 507.

(13) ينظر: الأدوات النحوية في كتب التفسير 609.

(14) أساليب النفي في القرآن 24.

(15) ينظر: روح المعاني 11/ 19، وينظر تفسير القرطبي 10/ 47.

(16) الميزان 10/ 31، وينظر التحرير والتنوير 11/ 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت