الصفحة 17 من 21

والبصر ذاته ولا مبصر. . . فلما أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم. . ." (103) ."

والثاني فعلي، أي إن ذات الله عز وجل عالمة في مقام الفعل، فكما أن الأشياء الموجودة في الخارج هي فعل الله عز وجل، هي معلومة له أيضا ً، وهو يختلف عن الذاتي في جملة أمور ذكرت في كتب العقائد (104) .

وفي ضوء التمايز بين العلمين صحة القسمة، لكن هذا التمايز ليس على نحو التباين، بل هو تمايز في خصوصية المعلوم لا العلم، أي انه واحد، وله مرتبتان، الأولى في مقام الذات والثانية في مقام الفعل، وهاتان المرتبتان، وإن كانتا مختلفتين من جهة يبقى مفهوم العلم واحدا ً بالنسبة إليها، فهو حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة، يرجع ما به الامتياز الى ما به الاشتراك، يشتركان في جهة العلمية، ويختلفان في الشدة والضعف، ولا يخفى ان العلم في مقام الذات أشد مما هو في مقام الفعل، لأن الأول غير متناه بخلاف الفعل الذي يكون متناهيا ً.

والطائفة الثانية من الآيات تتحدث عن علم الملائكة، وهو علم يفاض عليهم من العلم الإلهي بنحو يليق بتجردها، فلا ذهن لهم للتعقل ولا آلة ينتقل بموجبها العالم الخارجي إليها، إن نصيبهم من العلم تقيده درجتها

الوجودية، ومقامهم الامري، لذلك خفي عليهم وجه الحكمة الباعث على تنصيب الإنسان خليفة لله عز وجل.

وعلم الملائكة يشترك مع علم الله عز وجل بالمفهوم، ويختلف عنه بخصوص المصداق، فمصداق العلم الأول هو الكمال الذي لا نقص معه من جميع الجهات، فينسب له على نحو ٍ أشرف وأعلى وأتم بما ينسجم مع ما عليه الذات الإلهية من الوجوب، والثاني هو تعليم من عليم لذا هو دونه بالمرتبة، ولو كان نفسه، لكانت الملائكة تعلم كل شيء، ولا تخفى عليها خافية. . . وهذا لم يكن لضعفها وحاجتها الى ما يقوم وجودها وهو الخالق المدبر

الطائفة الثالثة من الآيات تنسب العلم الى موجودات مجردة، لكن تجردها ليس في درجة الملائكة، ومرتبتها دون مرتبة الملائكة، فهما من عالمين يتقدم احدهما على الآخر، ولكن يبقى لعلمها منزلة كبيرة يستطيع من خلاله احد العفاريت أن يحضر عرش بلقيس، من دون أن يحتاج الى وسيلة خارجية لإدراك المعلوم، فهي تدرك - على وفق مرتبتها - الأشياء بحضورها عندها، والعلم هنا له حدود أيضا ً، لا يستطيع تجاوزه الى مغيبات الأشياء، وفي قصة سليمان (ع) ما يؤكد ذلك. قال تعالى: {لوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} سبأ / 14.

والجن كالملائكة يتفاوتون فيما بينهم، فمنهم المؤمنون ومنهم دون ذلك، ولا شك ان المؤمن بحكم إيمانه ومنزلته ينال من العلم ما لا ينال غيره.

وإذا ما انتقلنا الى الطائفة الأخرى، سنجد أن العلم ينسب الى الإنسان، ولأن الإنسان هو محور القرآن، ظهرت مراتب العلم الذي يعزى إليه بوضوح، فهناك علم عال ٍمصدره ومنشؤه التعليم الإلهي، ومنه علم الأنبياء، ولما كان الأنبياء يتفاوتون فيما بينهم بالمنزلة والدرجة الوجودية، تفاوت العلم الذي ينسب إليهم، ولا شك أن أنبياء أولي العزم ينالون من العلم الدرجة العليا، ورئيسهم وإمامهم الحبيب المصطفى (ص) .

قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} البقرة / 253، ثم يلحق بأولي العزم الأنبياء الآخرون.

ثم تأتي درجة الأولياء، ومنهم العبد الصالح في قصته مع النبي موسى (ع) ووصي سليمان، وغيرهم، بعد ذلك يأتي دور العلماء الذين مدحهم الله في كتابه، كالراسخين في العلم.

والعلماء الذين يخشونه عز وجل، والذين يشهدون له بالعلم مع الملائكة، والذين يعقلون الأمثال القرآنية، ولا يزال يتدرج العلم في نسبته الى الذوات، حتى يصل الى

مرتبة لا ينال مكتسبه مزية ثناء أو منقبة مدح، لاستواء الناس فيه جميعا ً، وهو أدنى أنحائه، بل قد نجد العكس في آيات قرآنية كثيرة، كالذين يعلمون ظاهرا ًمن الحياة الدنيا، وهم غافلون عما وراءها، ينالون الذم والتوبيخ. والذي لا يريد الحياة الدنيا هو والجاهل سواء.

إن العلم المتقدم على تفاوته بين الأشخاص، ليس على نحو واحد ٍحتى الراسخ فيه، والممدوح عليه، بل يختلف

بحسب متعلقه، فان كان متعلقه دُررا ًمن عالم الغيب استغنى عن دخالة الذهن، وتفعيل الآلة، لترتب الأثر مباشرة كما في علم خليفة الله، ووصي سليمان وعلم العبد الصالح وعلم عيسى (ع) . . .

وإن كان علما ً يحتاج فيه الى نظر وتحصيل، فهو - بلا شك - يحتاج الى دخالة الذهن لإدراك المفاهيم، وتحليلها، وتركيبها في قضايا لسهولة التعلم والتعليم.

ولا يخفى على الأريب ان حصول العلم مع فقدان الواسطة لا يكون إلا بنحو ٍمن التجرد والتعلق بعالم الغيب، وهو أشرف وأسمى من النحو الآخر من العلم؛ لأنه لا يتخلف

، ولا يقبل الخطأ ولا يعتريه سهو ولا نسيان. وقد ظهر في كلا العلمين مراتب، فكما أن العلم الكسبي والتحصيلي يشتد ويقوى عند الإنسان المتوجه الى طلب العلم، ويضعف عند البليد الخامل الذي لا تصور له إلا اللهو واللعب! يشتد عند المقربين من الأنبياء والمرسلين، ويضعف عندما تُفك عرى التعلق بالملأ الأعلى.

وفي آخر الموارد نظفر بنسبة العلم الى الطير في ضمن المذكورين في الآية القرآنية، ولا يخفى ان الصلاة والتسبيح في الآية القرآنية هما فرع العلم، ومن دون علم لا يكون هناك تسبيح ولا صلاة، وقد اختلف في العلم هذا نظرا ً لنسبته الى موجود غير عاقل - بحسب النشأة المادية - فبعضهم قال أنه محمول على الاستعارة التبعية، أي"انه يشبه دلالة كل واحد من المذكورين على الحق بلسان الحق والمقال وميل كل منهم الى النفع اختيارا ً أو طبعا ً بعلم التسبيح والصلاة فيطلق على كل واحد من تلك الدلالة والميل اسم العلم على سبيل الاستعارة ويشتق منه لفظ علم" (105) . وبعضهم حملها على الحقيقة، ويراد به مطلق الإدراك، أي: إن الله عز وجل ألهمها ذلك (106) .

وقد ربط العلامة الطباطبائي بين العلم والوجود عند تفسير الآية 44 من سورة الإسراء بقوله: ..."كلامه مشعر بان العلم سار في الموجودات مع سريان الخلقة فلكل منهما حظ من العلم على مقدار حظه من الوجود، وليس"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت