الصفحة 16 من 21

كان السابق الى أذهاننا منها الموجودات المادية لمفاهيمها. ." (97) ."

ثم يقول:"وهذا شأننا في جميع الألفاظ المستعملة، ومن حقنا ذلك، فان الذي أوجب علينا وضع الألفاظ إنما هي الحاجة الاجتماعية الى التفهم، والاجتماع إنما تعلق به الإنسان ليستكمل به في الأفعال المتعلقة بالمادة ولواحقها، فوضعت الألفاظ علائم لمسمياتها التي نريد منها غايات وأغراضا ً عائدة إلينا" (98) . ثم ينبه القارئ على الاختلافات التي تلحق المصاديق المادية بقوله:"وكان ينبغي لنا أن ننتبه أن المسميات المادية محكومة بالتغير والتبدل بحسب تبدل الحوائج في طريق التحول والتكامل، كما أن السراج أول ما عمله الإنسان كان إناء فيه فتيلة وشيء من الدهن تشتعل به الفتيلة للاستضاءة به في الظلمة، ثم لم يزل يتكامل حتى بلغ اليوم الى السراج الكهربائي ولم يبق من أجزاء السراج المعمول أولا ً الموضوع بإزائه لفظ السراج شيء ولا واحد. . . فالمسميات بلغت في التغير الى حيث فقدت جميع أجزائها السابقة ذاتا ً وصفة والاسم مع ذلك ... باق ٍ، وليس إلا لأن المراد في التسمية إنما هو من الشيء غايته، لا شكله وصورته، فما دام غرض التوزين أو الاستضاءة أو الدفاع باقيا ً كان اسم الميزان والسراج والسلاح وغيرها ... باقيا ًعلى حاله. فكان ينبغي لنا أن نتنبه أن"

المراد في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية والغرض لا جمود اللفظ على صورة واحدة" (99) ."

إن أطروحة الطباطبائي والتي قبلها لا اختلاف بينهما سوى الصياغة وإلا فالمآل واحد، وهما جيدتان يمكن أن

نفيد منهما الشيء الكثير في معرفة الحقائق، وخصوصا ً ما كان الاستعمال القرآني يجعلها لعوالم غير عالمنا، ولذوات غير ذواتنا، وهي لم تخرج عن الاستعمال

العربي ما دام الذوق لا ينكره، والتحولات التي تطرأ على المسميات المادية لا تخرجه عن حده ومفهومه كما في لفظة السراج والميزان.

ولا يخرج مفهوم العلم عن التحليل المتقدم، فهو لا يعني أكثر من حضور المعلوم لدى العالم، سواء أكان بنفسه أم بصورته (100) ولا يرتفع هذا المعنى عند نسبته الى الله عز وجل أو الى الملائكة، ولكن خصوصية المصداق تفرض عليه قيدا ً زائدا ً يتمثل بالبعد الوجودي أو المرتبة

الوجودية التي يكون معها المفهوم شديدا ً أو ضعيفا ً لا غير، فهو هو، وهو غيره (*) . يقول الطباطبائي:

"الذي نفهمه من قولنا (( علم زيد ) )وقولنا (( علم الله ) )معنى واحد، وهو انكشاف ما للمعلوم عند العالم، غير إنا نعلم أن علم زيد إنما هو بالصورة الذهنية التي عنده، وأن الله سبحانه يستحيل في حقه ذلك، إذ لا ذهن هناك، وهذا ليس إلا خصوصية في المصداق، وهي لا توجب تغيرا ً في ناحية المعنى بالضرورة، فإذن المفهوم مفهوم واحد، وأما خصوصيات المصاديق فغير دخيلة في المفهوم البتة" (101) .

وخصوصية المصداق المذكورة سالفا ً تقتضي التمايز، ومن ثم تفضي الى التقسيم، وبمعنى أن الذي تكون المعلومات بنفسها غير مستورة عنه، ولا خافية عليه، يختلف عن الذي تكون معلوماته متوقفة على دخالة الآلة والانفعال بالواقع الخارجي، والذي علمه فرع لوجود الأشياء يباين من الوجود والأشياء فرع لعلمه.

والآن بعد أن علمنا أن المفهوم واحد عند نسبته الى الأشياء، نقرأ الآيات المتقدمة في ضوء خصوصية المصداق، ولا شك ان القارئ يرصد انتظام الآيات في حقول، يضم كل حقل الجهة التي ينسب إليها المفهوم.

ففي المجموعة الأولى من الآيات نجد أن العلم يعزى الى الله، وقد تنوع اللباس اللفظي الذي ظهر به العلم الإلهي، بحسب السياقات التي يراعى فيها الدقة في الاختيار والبراعة في التعبير، لكن ما يميز العلم الإلهي في هذه الآيات انه ليس على سمت واحد من الظهور، ففي بعضها جاء مفردا ً، ودل على إحاطته بكل شيء.

أي إن كل الأشياء معلومة له عز وجل، وفي آيات أخرى ظهر مقترنا ً باسم من أسمائه: الواسع والخبير، ليدل على أن لهذا المركب مزية زائدة يكتسب بها العلم معنى أوسع، ففي السعة ينفي الحدود والقيود للعلم الإلهي، فهو الذي يسع كل شيء بعلمه، وفي الخبير يتعرف على دقائق الأمور ولطائفها، وتأخر الخبير - في الاستعمال - يدل على شدة العلم الذي لا تضيع عنده بواطن الأشياء وخفاياها.

وقد جاء في آيات متعلقا ً بالمعلومات الجزئية، وهو من مصاديق علمه الذاتي كعلمه بالمهتدين والظالمين والمفسدين، لاقتضاء السياق التصريح بالاعلمية على غيره، لكي يشعر المتلقي بمراقبة الله عز وجل في كل لحظاته وحركاته وسكناته، وفي آيتين منها نجد أن السياق خرج عن رتابته، وعدل عن نمطيته، فبدلا ًمن أن يُثبت العلم الإلهي الذي يسع كل شيء، يُنفى عن

الله عز وجل بصورة المضارع مع الحرف (لا) ليسجل نمطا ً أسلوبيا ً متفردا ً، جعل فيه عدم العلم كناية عن عدم الوجود، لأن العلم فرع الوجود، فإذا لم يكن ثمة وجود - والوجود كله من الله - فلا معلوم، وهذا نحو من التوجيه الى ذهن المتلقي، لأن يدرك أن معلومات الوجود كلها حاضرة لديه، فإذا ما ادعى أعمى أن هناك شفعاء أو آلهة مع الله، فهو لا محالة من الأمور التي لا يتعلق بها علم الله عز وجل، لأنها غير موجودة. وهذا من روائع التعبير القرآني. ِ

ومن النمط الأخير من المجموعة الأولى نظفر بنحو من العلم يختلف عن كل الآيات المتقدمة، لأنه يتعلق بالفعل الذي وقع أو سيقع، ويترتب عليه بعد ذلك أن يكون الواقع معلوما ً له عز وجل، وقد سمي بالعلم في مقام الفعل بعد الايجاد، فالله عز وجل في علمه الذاتي يعلم أي الحزبين أحصى، ويعلم من يتبع الرسول، ويعلم المجاهدين، لكنه أراد أن يكون علما ً ومعلوما ً في مقام الفعل (102) .

وهذا النحو من العلم كثيرا ً ما يقع في مورد الاختبار والامتحان.

إذا ً مما تقدم يتبين: ان العلم الإلهي نوعان - كما هو ظاهر الآيات القرآنية -.

الأول هو الذاتي أي إن ذات الله عز وجل أحاطت علما ً بكل شيء، سواء أكانت الأشياء موجودة أم غير موجودة، وفي ذلك يقول الامام الصادق (ع) "لم يزل الله عز وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم والسمع ذاته ولا مسموع،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت