اهتمام الأصوليين بالمتن:
مقدمة تاريخية في عناية عامة العلماء بالمتن:
كان الاهتمام الأول عند الصحابة رضي الله عنهم منذ نزول القرآن فهم الخطاب الشرعي لتطبيقه في الواقع العملي. فكان فهم الخطاب فهمًا سديدًا، ومن ثم تطبيق المعنى المستفاد على واقعهم، لا يخرجون عنه ولا يتجاوزونه، بل صرحت الآثار أنهم رضي الله عنهم لم يكن الواحد منهم يجاوز العشر آيات حفظًا حتى يعمل بها أولًا، قال ابن مسعود رضي الله عنه: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن، قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا) (7) .
كل هذا يدل على أن المتن هو الأساس، وأن العناية التي ظهرت عند علماء الحديث بالسند، إنما هي متأخرة عن كل مظاهر الاهتمام بالمتن، ذلك أن ظهور السند كان متأخرًا، والحاجة إلى معرفة السند، كانت بعد ظهور الفتنة كما جاء عن ابن سيرين (8) .
ولئن كانت العناية بالمتن في صدر الإسلام لفهم الخطاب وتطبيقه، فإنا وجدنا مظهرًا آخر من مظاهر الاهتمام بالمتن، ألا وهو الاهتمام به من جهة قبول الخبر ورده كان هذا زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي مجلسه، ولننظر إلى ما يرويه البخاري (9) في قصة عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم رضي الله عنهما، يقول عمر: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟، قال: أقرأنيها رسول الله عليه وسلم. فقال: كذبت. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتمام القصة في البخاري ومسلم تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر وهشام على قراءتيهما، وقال لكل واحد منهما: كذلك أنزلت.
فهذا الاهتمام بالمتن أيام النبي صلى الله عليه وسلم من أجل المحافظة عليه، حتى لا يختلط بغيره من كلام الناس، وكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ككلام الله يخرجان من مشكاة واحدة. والصحابة رضي الله عنهم لا يشككون في نوايا الناس ابتداء، لكنهم لا يمنعون وقوع السهو، والخطأ والنسيان على البشر، مما جعلهم يحتاطون في هذا الأمر.