ثم تطورت دراسة المتن مع ظهور الفتن، فهذا ابن عباس رضي الله عنهما يقول فيما يرويه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليها وسلم، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف) (10) .
ولعل هذا الأمر من الصحابي الجليل، حبر هذه الأمة، هو من أول خطوات الاحتياط أو التثبت للوصول إلى متن صحيح النسبة لرسول الله صلى عليه وسلم بعد الفتنة.
ثم توالت الدراسات عند علماء الحديث في السند والمتن، ولما كان علم الجرح والتعديل هو الوصف الأظهر في جهود المحدثين، لتميز الأمة به عن غيرها من الأمم؛ ولكثرة فروعه، برز علم السند أكثر من علم المتن، مما أدى إلى القول: إن الجهود انصرفت بشكل أكبر نحو رعاية السّند والاهتمام به من الناحية التطبيقية، فوضعت له العلوم والقواعد والمؤلفات، ولم يُغْفَل المتن، وإن لم يَرقَ الاهتمام به إلى مستوى السّند (11) .
والناظر في كتب الحديث وعلومه؛ يجد أن موضوعات المتن خدمت بطريقة تتلاءم مع المتن موضوعًا، وتركيبا لفظيًا (12) . بل إن تعريف علم مصطلح الحديث كما يقول ابن جماعة هو: معرفة القواعد التي يعرف بها أحوال السند والمتن (13) وقد قرر المحدثون أن صحة السند لا تقتضي صحة المتن، لذلك فإنهم نقدوا المتن أيضًا، بل إن جهابذة نقاد السند هم جهابذة نقاد المتن في آن واحد، مثل الإمام البخاري والإمام مسلم في"التمييز"حيث ساق الأخير الأحاديث المنقولة على الوهم في متونها دون أسانيدها، وبين وجه الوهم بذكر ما اشتهر من الأحاديث المخالفة لها في المتن وقد تتابعت الجهود لصياغة منهج نقد المتن، وظهرت ضوابط دقيقة ذكر بعضها ابن القيم في كتابه المنار المنيف (14) ، على أن المحدثين قد ميزوا بين دراسة سند الحديث والحكم على هذا السند، ودراسة الحديث بشكل متكامل من جهة سنده ومتنه، فقالوا في الأولى صحيح الإسناد، وقالوا في الثانية حديث صحيح، وفرق بين المصطلحين (15) .
مظاهر الاهتمام بالمتن في علم الأصول:
أما علم أصول الفقه، فقد كانت موضوعات هذا العلم ومحاوره علومًا وعاها العلماء في صدورهم، واستخدموها في اجتهاداتهم، ولما بدأ تدوين هذا العلم - وكان قد تأخر عن تدوين القرآن والسنة والفقه - وتطور التأليف فيه، وجدنا أن علم الأصول يقوم على أربعة محاور (16) كلها جاءت لخدمة النص الشرعي، ولا أكون مبالغًا إن قلتُ: إن علم الأصول هو علم النظر في المتون، وإنْ بَحَث الأصوليون مسائل السند وغيرها من المباحث المتعلقة بالعملية الاجتهادية، فالمحور الأساسي في علم الأصول هو: