الصفحة 135 من 216

وتمثل كتب"لاهوت الحرية"للأب جوتيريز في البيرو ، و"المسيح محررا"للأب ليوناردو بوف من البرازيل ، و"تاريخ لاهوت الحرية"لانريكو دوسل من الارجنتين ، نقاط علام بارزة في مسيرة اعادة البحث هذه في عملية القلب العظيمة في فهم رسالة السيد المسيح .

ونلاحظ أن نقدهم للماركسية هو الاعمق ، إذ ليس هناك من نظرية قد فندت بمنتهى الجدية واستخرج منها آخر نقطة من الحقيقة التي تحملها ، وأعمق جذور الأخطاء فيها ، مثلما جرى للماركسية .

وقد ولدت الماركسية ، شأنها مشاريع اليوتوبيا الاشتراكية التي سبقتها ، في القرن التاسع عشر ، وفي السياق التاريخي للثورة الصناعية ، حيث أسبغت المظاهر التقنية على الرأسمالية لباسا أسطوريا على شاكلة فاوست أو بروميثيوس ، وإيمانما مسيحيا بالتقدم . هكذا دفع إلى الظل ملايين من البشر المسحوقين في المدن التي جعلتهم ضحاياها ، حيث يمسخ الإنسان إلى زائدة ، ملحقة بآله أو بالسوق .

ويسمح لنا هذا الاختيار وحده أن نعطي معنى لحياتنا ، عن طريق تحميلها مسؤولية قهر الانحرافات المميتة .

ولا تحدد لاهوتيات الحرية هذا التعالي بالتعالي باعتباره مسلمة لكل عمل تحريري ، وكأنه مسألة خارجية ، بل كإمكانية دائمة للإنقطاع عن الماضي وتجاوزه . وقد أعطانا يسوع النموذج المطلق ، عندما كرس حياته وموته للصراع ضد أشكال الهيمنة التي أعطيت صفة التقديس . ولكن القراءات التقليدية للرسالة الإلهية قد جرت من"أعلى"، من قبل أصحاب النفوذ الاقوياء .

إن قراءة اللاهوتيين للحرية ، إنما هي قراءة من"أسفل"، أي انطلاقا من المحرومين ، من أولئك الذين يعملون ، ويعانون ، ويعيشون ويموتون دون أن يعرفوا هدفا لعملهم ومعاناتهم ، وحياتهم وموتهم . والمستقبل عند هؤلاء هو الأمل الوحيد لهم بالبعث ، أي الانتقال من ممر الموت إلى الحياة الحقيقية ، حياة تحمل معنى وهدفا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت