الصفحة 145 من 216

وعندما يتوقف الفنان عن الاهتمام فقط بتأكيد تميزه الفردي ، والعمل على هيمنة أسلوبه ، وانطلاقا من مهارته التقنية خاصة ، ويستعد للاصغاء ليصبح ضمير المجتمع ، ويجعل الوعي لمشروعه وأمله ومستقله ، عندها يصبح الفنان خلاقا .

عندما يرى المحب في حبه وسيلة عطاء لا أخذ ، لا عطاء ما عنده ، بل عطاء نفسه وذاته وعطاء حياته إلى درجة تفضيل حياة الآخرين عليها ، عندها سيتعلم ما قاله روزبيهان الشيرازي:"أن يفسر في كتاب الحب الإنساني ، لغة الحب الإلهي".

ومع ذلك فهذا الانقطاع وهذا التعالي ليسا بعد ، الايمان .

فالايمان هو فعل التخلي عن الذات . هكذا كانت تجربة التخلي عن الذات والليلة الظلماء للقديس جان دولاكروا:

"أن أحول إلى صمت ، الرغبات التي تعتمل في داخلي بقوة ، أن انتزع نفسي من حدود وسطي الاجتماعي ، أن أمحو الصور التي تبهرني دون أن تستضيء بها نفسي ، أن انفصل عن كلمات ومفاهيم صنعت بغية التلاعب بالاشياء".

ـ عمل التخلي هذا ، التخلي عن"الانا"الصغيرة ، بغية التخلي عن الذات ، والذي يدعوه اللاهوتيون المسيحيون Kenose والذي يدعوه بوذا في موعظة بينارس ، بالحقائق الاربعة المقدسة التي ترينا الطريق ، كما تعطينا تأملا زا ـ زن الخبرة ، هذا العمل من الزهد ، هو المقدمة الوحية الممكنة ليقظة حياة جديدة"اسم بوذا نفسه يعني اليقظة".

تعني الحياة الجديدة أولا الوعي بأني لا استطيع الاكتفاء بذاتي ، وبأني لست موجودا إلا من خلال ترابطي مع الآخر وكل آخر ، حسب الصيغة الساطعة للصوفي البيرنطي كاليست (القرن الرابع عشر) : أنا أحب إذن أنا موجود .

ونحن هنا بعيدون عن فقر الديكارتية في مقولتها: أنا افكر إذن أنا موجود ، لانها تختصر الإنسان إلى مجرد فرد والروح إلى مجرد عقل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت