فهرس الكتاب
ويستدعى ذلك أيضًا ، في المستويين الاقتصادي والسياسي ، تحطيم أصنام زعم أنها"علوم إنسانية"، التي نسخ أسلوبها عن أسلوب علوم الطبيعة ، فنتج عن ذلك مفهوم مهين للانسان:"الإنسان كائن اقتصادي". فهو بذلك لن يكون إلا منتجا أو مستهلكا ، تحركه مصالحه الخاصة . إنها مسألة قاتلة ، شأنها شأن"الاقتصاديين"الذين يحاولون من خلال حاشية أو تعليق رياضي خداع وعويص ، إعطاء المظهر العلمي ، لايديولوجيا مهمتها استمرار النظام القائم .
ويعني قلب المنظور ، إعادة البحث ، كي نتعلم من كل المفاهيم الاخرى للانسان ، التي ولدت في أحضان الثقافات الاخرى ، الوسائل كيف نخلق شروطا تقنية واقتصادية وسياسية وروحية ، تلائم الجميع ، وتسمح لكل كائن إنساني (رجل أو امرأة) أن يصبح اكثر انسانية ، أي"شاعرا"، بأعمق معاني الكلمة ، أي خلاقا لإمكانيات جديدة للمستقبل .
هذه هو الهدف الذي سعينا لتثبيته ، وهو يتجاوز بهذا الشكل امكانياتنا ، لأنه ليس حتى الآن إلا اقتراحات متناثرة ، ليس لها من طموح إلا المساهمة في نشر نظرتنا إلى العالم ، إلى أن تتمكن نفوس أرحب مدى ، وتعمل من خلال تفاعل الحبث والايمان ، على بناء عالم إنساني .
في نهاية كشف الحساب هذا ، وفي نهاية هذه الدراسة التي تجمع بين العرض والاقتراحات المستقبلية ، وصية لحياة ، حاولت أن تتمائل مع حياة القرن الآفل، من خلال"فلسفة الفعل"التي قادني البحث فيها لأن اشق طريقي عبر"الفعل"المسيحي عند موريس بلوندل ، والجهد الجبار لماركس ، والرؤية الديناميكية للعالم في القرآن الكريم ، وما يسيطر على من الاحساس باقتراب حياتي الشخصية من النهاية هو أقل بكثير من شعوري بالسعادة التي تغمرني لأني استشف الملامح الأولى لحياة جديدة للقرن الذي سيولد والذي ربما لن أراه .
30 ـ آب ـ 1996
روجيه غارودي
ملاحظة