ما هي الرؤية التركيبية التي تبرز في نهاية القرن العشرين ، والتي يمكن أن نكونّها من مجموعة أحداث تبدو ظاهريا منفصلة بعضها عن البعض الآخر ؟
ما هي المشكلات الكبرى التي تبرز لتشكل مستقبلنا القريب ؟
هل نحن متجهون إلى حرب عالمية ثالثة ، انما من نموذج جديد ؟ ذلك أن ما سمي حتى الآن بالحربين العالميتين لم يكن في حقيقة الأمر إلاّ حربين أوروبيتين ، لا عالميتين ، ولم تسّم الحرب الأولى عالمية إلاّ لأن الدولتين المتحالفتين إنكلترا وفرنسا ضمتا إلى جيوشهما"فرق الملونين"التي تشكلت من مواطني مستعمراتهما: من الجنود السنغاليين ، حتى جنود الشمال الأفريقي ، بالنسبة لفرنسا ، وجنود ممتلكات التاج البريطاني الممتدة من كندا حتى استراليا ، بالنسبة لبريطانيا.
وجرى الأمر نفسه في الحرب العالمية الثانية ، التي انفجرت أيضا بسبب صراع أوروبي ـ أوروبي ، مع فارق أن الحلفاء الغربيين ، أشركوا في هذه الحرب الشعوب التي كانت خاضعة لهم . فإنزال البروفانس مثلا ، ضم 70 % من عناصره ، جنودًا مغاربة ، ( ونسبة قتلى المغاربة إلى نسبة القتلى الآخرين أعلى بكثير ) . وكان الهدف: تحرير فرنسا . وجرت الحرب الأمريكية ـ اليابانية في نفس السياق ، إذ لم تكن حربا بين حضارتين ، إنما بين خصمين يطوران نفس النظام الصناعي ، وقد اختصما بهدف السيطرة على المحيط الهادي ، وعلى غزو الأسواق . ولم تتداخل الحربان عسكريا أبدا ، فقد تخيّل هتلر ـ كي يبعد الولايات المتحدة إلى أقصى زمن ممكن ، عن النزاع الأوروبي ـ أن يجعل من اليابانيين"آريي شرف"كي يحقق بعد ذلك محور برلين ـ روما ـ طوكيو .
يعتقد هانتجتون في إطار ما يسميه"بالحرب الحضارية"أن الحرب الثالثة إذا ما انفجرت ، ستكون من نوع جديد،
إذ لن تكون نتيجة تنافس الأوروبيين ، فيما بينهم ، بل مجابهة بين حضارتين: حضارة المركز (الغرب) وحضارة المحيط (بلدان الاستعمار القديم) .