الصفحة 68 من 216

لن ننسى للحظة واحدة"أمريكا الاخرى"، أمريكا امرسون وثورو ، وجون براون ، ولينكولن ، أمريكا التي ثارت ضد الرق . ولكن"أمريكا الاخرى"هذه لم تستطع أن تفرض رؤيتها . فثورو انسحب من هذا العالم بعد أن كتب"والدن أو الحياة في الغابة"، انسحب كي يستمد من الطبيعة اتصالا مباشرا مع الله كما قال صديقه امرسون . ولن ننسى انه عاد إلى المدينة، ليكتب هناك كتابه"العصيان المدني"، الذي قال عنه غاندي انه استوحاه . لقد تحول كل هؤلاء إلى هامشيين أو ثوار: ثورو التجأ في البداية إلى أعماق الغابة ، وعندما عاد إلى المدينة رفض أن يدفع الضريبة المتوجبة عليه ، لأنه"فقد وطنه". أما ايمرسون فقد استمد حكمته من الباجاتادجيتا ، على نهر الغانج ، وليس من نهر الباتوماك الذي يخترق واشنطن . أما لينكولن فقد اغتيل من قبل"المؤسسة أو النظام".

ولن ننسى السلالة السوداء العظيمة التي أبرزت لنا وجوها رائعة بدئا من دويوا إلى مارتن لوثر كينج ، هذا الوجه الجميل الكامن في أعماق أمريكا والذي تألق ، ابتداء من القرن العشرين مع انبعاث حي هارلم . لن ننسى الشهود الكبار من السينمائيين مثل فورد الذي أخرج"عناقيد الغضب". ولا ذاك الذي تجرأ أن يفكك آليات مؤامرة اغتيال كينيدي ، ولا المخرج الذي أعاد تركيب مذبحة"الونددني"التي سحق فيها الجيش الأمريكي مقاومة قبائل"سيو".

لكن ما يبرز اليوم ليطغى على جزر المقاومة البطولية هذه ، هو أقلام العنف والرعب ، بعدما حولت أفلام"الغرب الأمريكي"مئة عام من الابادة العنصرية إلى ملحمة بطولية .

ولن نستطيع أن نقول شيئا عن فلسفة الولايات المتحدة ، حيث خنق النظام صرخة الرجال ، بالوضعية والبراجماتية ، منحيا جانبا مشكلة الايمان ، وغايات الحياة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت