الصفحة 14 من 18

... وندرك - بعد هذا كلّه - أنّ الحسين وأمثاله من الأشراف، يفهمون النسب الرفيع والرتب العالية على أنها تكليف ومسؤولية جسيمة، لاتشريفٌ ولامَدعاةُ فخرٍ كفخر الجاهلية. كما ندرك أيضًا أن المقدسي وأمثاله من الوعّاظ إنما يضعون مثلَ محنةِ الحسين عليه السلام في ميزان ماامتُحن به النبيون من قبل، فيجدون فيها أُسوةً للناس في تحمّل الضُّرِّ والبلوى، وقدوةً لسالكي طريق الحق من المحبين الصادقين، وليس من شأن أولئك الراشدين أن يتخذوا من تلك المحنة ذريعةً لإثارة الأضغان والأحقاد، بعد أن مرّ على الحادثة مئات السنين، وإنما هم يسوقونها في معرض العبرة والعِظة والأسوة الحسنة.

... ولا يسوغ لنا أن نضع هذه القصائد في باب الرثاء، فالرثاء كما هو معروف يكون في أعقاب الوفاة، وبين المقدسي وتلك الأحداث ستة قرون ونيّف، ثم إن الرثاء لم يكن مما يُعنى به شاعرنا وأمثاله من الصوفية المعروفين بزهدهم في الحياة الدنيا، فالموت لم يكن أمرًا مكروهًا لديهم، ليكثروا التفجع والتوجع إذا ما حلَّ بالأحباب أو بالأصحاب.

... وإذا حاولنا أن نعد تلك القصائد نوعًا من الشعر السياسي؛ فالسياسة أبعد ما يكون عن تفكير المقدسي، ووجهته العامة، وما غلب عليه من زهد، واشتغال بالوعظ والتصوف والأمور الدينية، إضافة إلى ماعُرف عنه من بعد عن الأمراء والسلاطين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت