الصفحة 15 من 32

وتارةً في الشطر الثاني، لخلق حالةٍ من الاستقرار يشيعها صوتيًا تقابل حرفي الراء والسين، وبيانيًا اعتماد التشبيه تام الأركان في صورتين، الأولى منهما تكمن في قول أبي تمام:"كالسراب الرقراق"، والثانية تكمن في قوله:

"كالبرد برد الصّناع"، وبديعيًا وجود التقسيم في البيت السادس مع تكرار لفظ"رحب"الذي يمنح النص أهمية معنوية تكمن في"التوكيد والتنفيس" [1] ، اللذين بدورهما يعززان الإيقاع لمحاكاة الحدث المومأ إليه في النص.

في حين نجد الزحافات أعلى نسبة في الأبيات"الثاني، الرابع، الثامن"، لأنّها تناسب حالة الجهر أو التوتر، فمثلًا، تكثر المفردات والمعاني الغريبة في البيت الثاني، إذ يشبّه أبو تمام الرداء المهدى إليه بسحا القيض أو برداء الأفعى المنسلخ عنها، والأمر ذاته نلمسه في البيت الرابع وما تبثه المفردات من حركة تتساوق والحركة الناتجة عن الزحافات، حيث"يسترجف، الريح، الهبوب"، وأمّا البيت الثامن فهو فضلًا عن احتوائه على أربع زحافات يتميّز بتعرّض الضرب فيه إلى التشعيث، ما يجعله ينتهي بثلاثة مقاطع طويلة، تمكّن الشاعر من إشاعة حال من السكينة ترافق نهاية وصفه للرداء"الخلعة"، ليبدو ذلك بمنزلة الهدأة بين الأصوات والمعاني، ولأنّ أبا تمام إذّاك يكون قد بلغ حدّ التوازن بينه وبين الواقع من ناحية، وبين الرداء والقصيدة من ناحية ثانية.

أبو تمام إذا لم يجعل الثوب مشّبهًا، فإنّه يسارع إلى جعله الطرف الآخر في عملية التشبيه"مشبهًا به"، ولذلك تكثر في شعره مفردات مهنة الحياكة ومعانيها، فهو القائل [2] :

إذا الغيث سدّى نسجَه خلْتَ أنّه ز ... مضت حقبةٌ حَرْسٌ له وهو حائكُ ز

(1) ـ الحسين، د. جاسم، الشعرية ـ ص 127.

(2) ـ التبريزي، شرح ديوان أبي تمام، م 2 ـ ص 459.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت