الصفحة 18 من 32

"التدوير"من جلجلة تحاكي الجلجلة التي صدرت عن القوم وتناسبها، بينما هم يتساءلون:"من صاحب الرداءِ القشيب؟"وقد استخدم أبو تمام جملة شرطية طويلة بدأها بـ"إذا"أداة الشرط، فامتدت لتشمل كامل البيت، لولا أن جواب الشرط المتمثل بالفعل"قال"منح البيت وحدةً جمليّة أخرى تجلّت بالاستفهام، عندما أفسح أبو تمام المجال واسعًا أمام تخمينات المتلقي عمّا وراء فعل القول، وذلك قبل تزويد الموقف بفعل الدهشة المتأتي من تساؤل القوم تارةً، ومن جدّة الثوب تارة أخرى، ولا سيّما بعد معرفتنا رمز الثوب، وقد أفضى ويفضي دائمًا إلى معاني الفضيلة والطهارة والحكمة، ما يمنح الجملة إيقاعًا"هو الإيقاع الأهم في النص، لأن النص، بحدّ ذاته، ذو طبيعة جمليّة" [1] .

قد يخرج أبو تمام بالثوب إلى رموزٍ تختلف عمّا ألفناه وتخالفه، ذلك، لأنّ الثوب أضحى في شعره أيقونةً تتنوّع دلالاتها بتنوّع انتماءاتها السياقية، فإذا به يحمّل الثوب أو ما ينوب عنه دلالاتٍ تناسب الغرض أولًا، وتناسب الدافع إلى النظم في إطار هذا الغرض دون غيره ثانيًا، حيث لم تبق الدلالة في محيط الفضيلة بعد إحياء أبي تمام لها ومنحه إياها القدرة على الثورة في وجه القواميس الاجتماعية.

لقد حاك أبو تمام من الصدق ثوبًا ومن الندى أثوابًا، وكذلك من الثراء والهوى والعافية والحسن والملاحة والجمال والغنى والمدح والصبر، فإذا اندرجت هذه المعاني كلّها تحت جناح الفضيلة، فماذا نقول إذًا، في أثوابٍ حاكها من الموت والثرى والعيش والحياة و القريض والفضائح والبطالة والخسارة واللوم والحزن والأسى. .. ؟!

نختار بعض الأمثلة، لعلّها تجيبنا عن السؤال السابق، وهي على التوالي:

1 ـ قال أبو تمام في رثاء محمد بن حميد الطائي [2] :

(1) ـ جابر، د. يوسف، قضايا الإبداع في قصيدة النثر ـ ص 265.

(2) ـ التبريزي، شرح ديوان أبي تمام، م 4 ـ ص 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت