فهرس الكتاب
يتجلّى الإيقاع المهني في الفعل"خضخضتُ"والصوت الذي قد يوحي به، حيث لم يكتفِ أبو تمام بذكر الماء بوصفه مادة، أو بذكر أدوات السقاية من مثل"الدلو، القليب"إنّما ذهب أيضًا إلى تتبّع الصوت المرافق لهذه المهنة، فالدلو عندما يُراد ملؤها بالماء لابدّ من تحريكها في القليب، وبذلك تكون الخضخضة إيقاعًا صوتيًا ناتجًا عن إيقاعٍ حركي يتطلّبه عمل الساقي، وإلى هذا الرأي مالت د. نسيمة راشد الغيث في قولها:"نلاحظ هنا استعمال الشاعر للفعل / خضخضت / ليعبر عن الحركة المقابلة لعطاء الممدوح، وهي مدائحه فيه. ويوحي الفعل بصوت الماء أثناء هبوط الدلو فيه، وهي طريقة يتبعها أبو تمام في بعض الألفاظ ليبث فيها الحركة الصوتية" [1] فقد قرنت إيقاع الحركة بإيقاع الصوت حتّى أضحيا بفعل تلازمهما إيقاعًا واحدًا لا تنوّع فيه ولا انشقاق بين وحداته، ولعلّ هذا ما يدل عليه استخدام أبي تمام للفعل"تتدفق"في قوله [2] :
ما أنشئت للمكرماتِ سحابةٌ ز ... إلّا ومن أيديهم تتدفقُ ز
إذا عدنا إلى ما سلف فإنّنا سنلحظ أهمية التدوير في الحفاظ على التلازم الكائن بين الإيقاعين، إذ لا يستطيع القارئ الفصل بين الشطرين إنشادًا أو كتابةً، ولا حتّى الفصل بين القسمين المتناظرين من الفعل
"خضخض"، ما يوحي بشيء من الهدوء والطمأنينة ناتجين بالضرورة عن استقرار العلاقة بين طرفي الصورة
"الشاعر، الممدوح"، فأبو تمام بارد الجوانح، ومال الممدوح مباحٌ له يغرف منه ما يشاء، بحكم ما يكنّه كلُّ طرفٍ للآخر من ودٍّ، فهل لمفردة"بارد"أو لمفردة"ماء"وما تحمل من دلالة البرودة أثرٌ في الإيقاع المتوازن في البيت، والذي مال في موسيقاه الخارجية إلى الهدوء!
(1) ـ الغيث، د. نسيمة راشد، التجديد في وصف الطبيعة بين أبي تمام والمتنبي ـ ص 214.
(2) ـ التبريزي، شرح ديوان أبي تمام، م 4 ـ ص 398.