الصفحة 25 من 32

في هذا المثال يظهر أبو تمام حاجة الغرس للماء من خلال مقابلة معنوية يمثّل شقّها الأول الممدوح في علاقته مع الشاعر، حيث لا قيمة للشعر ولا رونق له برحيل الممدوح ( الغاية والوسيلة في آنٍ معًا ) ، وأبو تمام في سبيل بلوغ المعنى الذي يصبو إليه يلجأ إلى استخدام معاني البيئة الزراعية وما يتصل بها من مثل"جفّ، النوّار، الغرس، الماء".

إذًا، انعكاس إيقاع السقاية على حياة أبي تمام وشعره يماثل إلى حدٍّ كبير انعكاس إيقاع الحياكة عليهما، يقول [1] :

لم أزل باردَ الجوانحِ مذ خضـ ز ... ـخضتُ دلوي في ماءِ ذاكَ القليبِ ز

إنّه يقارن بين لحظتين في إيقاع علاقته بالممدوح، ففي الماضي كان ظمآن قبل اتصاله بسليمان بن وهب، وفي الحاضر الممتد أضحى بارد الجوانح بفعل علاقته الطيبة بالممدوح، فقد قابل من خلال استخدامه"مذ"بين فترتين، تمثّل الأولى العوز والحاجة، وتمثّل الثانية الإشباع والاكتفاء، حيث كانت الفترة الأولى فترة محدودة، والفترة الثانية طويلة ممتدّة، وهذا ما يعبرّ عنه العامل"لم"الذي عاد بالفعل إلى الوراء زمنيًا، ولا سيّما أنّه رُفِدَ بـ"مذ"دلالة على أصالة العلاقة بين أبي تمام والممدوح، وقد برز هذا الأخير وكأنّه قريبٌ جدًا من شاعرنا،

تجمع بينهما علاقة محبة وتواصل هي أشبه بعلاقة الدلو بالقليب، ما دفع بأبي تمام إلى استخدام اسم الإشارة"ذاك"للقريب دون"ذلك"للبعيد.

(1) ـ المصدر نفسه، م1 ـ ص 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت