فهرس الكتاب
فلا يظنَّنَّ ظانٌّ أنّ أبا تمام يستعير مفرداته من البادية على سبيل التقليد وهو في مجتمعٍ حضري، إذ غالبًا ما كان الشعراء يستخدمون مفردات كالدلو والرشاء والقليب والبحر والحوض في المديح، لإظهار كرم الممدوح وسعة عطائه، فقد كان يعايش فعلًا تلك الأدوات، ويستخدمها حتى باتت علاقته بها لا تقوم على تسخيرها وسيلةً لإنجاز صورة بيانية أو لبلوغ معنى مبتذل، إنّما أضحت بحكم احتكاكه بها جزءًا لا يتجزأ من شخصيته، ولا سيّما في علاقته مع الممدوح، وقد بدا في نظره أشبه بالقليب أو المورد بينما هو بمنزلة الوارد، ولذلك فهو بقدر ما يحتاج إلى الماء كي يطفئ ظمأه يحتاج أيضًا إلى وسيلةٍ ناجعة تمكّنه من الحصول على الماء، وهل ثمّة وسيلة أنجع من الدلو بالغة الرشاء!
وكي يكون أبو تمام في علاقته مع الماء ـ بوصفه رمزًا للعطاء ومن ثم الحياة ـ أكثر شمولية جنح إلى الإسراف في استخدامه، ما أدّى إلى ظهور إيقاعات متنوعة يعود مستوى صعودها وهبوطها إلى نوع التجلّي المتصل بالماء، فهو المطر والغيث والسحاب والسيل والندى والبئر، وكم تلائم هذه الطبيعة للماء طبيعة البلاد الشامية التي ارتبط اقتصادها وازدهارها بوفرة الماء، إذ هي بلاد زراعية، مع الأخذ بالحسبان"أن العناية بالماء ما هي إلّا صورة الرغبة في الثراء والمجد والعظمة التي طمح أبو تمام إليها جميعًا" [1] ، ولا سيّما أنّه القائل [2] :
لو سرتَ لالتقتِ الضلوعُ على أسىً ولجفّ نوّارُ الكلامِ وقلّما ز ... كلفٍ قليلِ السِّلمِ للأحشاءِ يُلفى بقاءُ الغرسِ بعدَ الماءِ ز
(1) ـ كبابة، د. وحيد صبحي، الصورة الفنية في شعر الطائيين بين الانفعال والحس ـ ص 159.
(2) ـ التبريزي، شرح ديوان أبي تمام، م 1 ـ ص 18.