الصفحة 23 من 32

إذ نراه يجمع أدوات الساقي، أو ما قد يتصل بها من دوال، كأن يقول:"نصبّ، يسقينا، كأس، شراب"ولعلّ شدّة تعلّق أبي تمام بمهنة السقاية جعلته يكثر من استخدام الأفعال المضارعة وهي ما تزال توحي في المثالين السابقين بالاستمرار، مُنتقلةً بالساقي ومن هم معه إلى التفاؤل بعد القنوط في غرضي الغزل والمديح، حيث نراهم يتجرعون كأس الشوق، وإلى الموت بعد الحياة، ولا سيّما في معرض الحديث عن الحرب، عندما تكون كأس الرحيق موصولة ـ على حدّ تعبير الشاعر ـ بكأس الموت، ونحن نعلم مسبّقًا أن الرحيق دليل حياة ورمزٌ من رموز الجنّة، بعكس ما توحي به كأس الموت، ولذلك يبدو إيقاع الحياة طاغيًا بما يشيعه الشاعر في المثالين من حركة تظهر على مستويين، الأول في فعل المشاركة"يتساقون، نصبُّ، يسقينا"، والثاني في اعتماد ضميري الجماعة"نحن، هم"، ما يشيع في البيتين حالة من الثقة بما هو آت بعد القنوط مما هو آنيّ، فلا غضاضة إذّاك من التعبير عن عائدية هذه الثقة بمفردات توحي بالألفة والود حينًا وبالاتصال حينًا آخر، كأن نختار، منها قوله:

"التقارب، التداني، موصولة"، وهي جميعًا تعبّئ النفس الشاعرة والمتلقية على حدٍّ سواء بنوعٍ من الأمان أمام قسوة الشوق وضراوة الوغى.

لم يقف الأمر عند هذا الحد من تمثيل العلاقة بين أبي تمام وبين الآخر بالعلاقة التي تجمعه مع مفردات المهنة، بل تعدّى ذلك إلى تشبيه إيقاع العلاقة التي تجمعه بغيره بإيقاع العلاقة بين مفردتين من مفردات مهنة السقاية، كأن يقول [1] :

تلك القليبُ مباحةً أرجاؤها والدلو بالغةُ الرّشاءِ مليئةٌ ز ... والحوض منتظرٌ ورود الواردِ بالرّي إن وُصِلت بباعٍ واحدِ ز

(1) ـ المصدر نفسه، م 2 ـ ص 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت