والقرآن الكريم - في قراءاته - خير حافظ للّغات واللّهجات، والفضل في ذلك يرجع إلى عناية القرّاء وتدقيقهم في الضّبط وتخريجهم في التلقّي حتّى إنّهم ليراعون اليسير من الخلاف ويلقّنونه ويدوّنونه [1] .
هكذا كانَ احتواء القرآن للتغيّرات الإعرابية التي تطرأ بتغيّر القبائل، ومثل ذلك: إعمال (ما) عَمَل (ليس) عند الحجازيين، وإهمالها عند التّميميّين، في قوله تعالى: { مَا هُنَّ أمَّهاتِهم } [2] . أمَّا مسألة (ضمير الفصل) ، فبنو تميم لا يهملونه، بل يعدّونه مبتدأ، ويرفعون ما بعده على الخبر [3] . قرأ بها الأعمش وزيد بن علي الآية:
{ إنْ كانَ هَذا هُو الحقّ مِن عِندكَ } [4] .
ومن المسائل التي احتواها القرآن تبعًا للتغيّرات الإعرابية التي طرأت عليها بتغيّر القبائل إلزام المثنّى الألف، وهي لهجة بلحارث بن كعب وزيد وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، فهؤلاء كلّهم يلزمون المثنّى الألف ويعربونه بحركات مقدّرة عليها، وبه قرأ ابن كثير [5] الآية: إنَّ هَذانِ
لَسَاحِرَانِ [6] ، وقرأ أبو سعيد الخدري [7] : { فَكَان أَبَواهُ مُؤمِنَان } [8] .
وهكذا فالقرآن الكريم الذي عُرِف عنه بأنّه معرب، وهل أدلّ على ذلك من قول الرسول الكريم مخاطبًا المسلمين:"أعربُوا القرآنَ والتمسُوا غرائبَه"، فطلبه هذا دليل قاطع بأنَّ القرآن معرب، وإعراب القرآن
ضرورة يقتضيها المعنى مثل ذلك قوله تعالى: { إنَّمَا يَخشَى الله مِن عِبَادِه العُلمَاء } [9] ، وقوله:
(1) من مقال للدكتور عبد الحليم النجار، مجلة كلية الآداب جامعة عين شمس، 1963م ص12.
(2) المجادلة 58 / 2.
(3) البحر المحيط لأبي حيّان الأندلسي 8/27.
(4) الأنفال 8 / 32.
(5) النشر في القراءات العشر لابن الجزري 2/321.
(6) طه 20 / 63.
(7) البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 6/255.
(8) الكهف 18 / 80.
(9) 10) فاطر 35 / 28.