اللغة في ظاهرها أصوات تعبر عن معان، لذا يقوم جوهر البحث اللغوي على دراسة العلاقة بين عنصري اللفظ والمعنى، لأن كل متكلم أو سامع يدور في فلك الألفاظ ومعانيها، ولأن كلّ معرفة لا تعدو أن تكون أفكارًا أو معاني تحملها الألفاظ، لذلك كانت الألفاظ بمعانيها محورًا لدراسات شتى قام بها إلى جانب اللغويين الأدباء والنقاد والفقهاء، والفلاسفة والمناطقة، وعلماء النفس وعلماء الاجتماع والأنتربولوجيون، ورجال السياسة والقانون والاقتصاد والصحافة. ...؛ لأن هذه القضايا تقع في صلب دراسة العلاقات وتبادل الأفكار، ولا يختص بها الدرس اللغوي وحده، ولا تنحصر بزمن دون آخر. وعلى هذا فالاهتمام بالدلالة من أقدم اهتمامات الإنسان الفكرية، ولكن دراستها تختلف باختلاف وجهات النظر إلى المعنى.
وطال الجدال قديمًا في أمر الدلالة، هل هي توقيف وإلهام أو عرف واصطلاح؟ وسجل مونان هذا الخلاف عند الهنود واليونان والرومان ( 1 ) ، أما العرب، فقد أسهب السيوطي في عرض آراء المتحاورين الذين يذهب جمهورهم إلى عرفية الدلالة ( 2 ) ، وذكر ابن جني هذه الاصطلاحية من قبل أكثر أهل النظر، وإن لم يقدم رأيه الحاسم في ذلك ( 3 ) ، بخلاف الجرجاني الذي أقرّ بالتواضع الاجتماعي للغة. ( 4 )
وحُسم الخلاف حديثًا باعتبار اللغة"ظاهرة اجتماعية"وسيطرت النظرية الاصطلاحية على الدراسات اللغوية ولا زالت حتى الآن. ( 5 )
إن الوعي اللغوي استمر عبر العصور، وهو آخذ في الازدياد يومًا بعد يوم، وإن اهتمام هذا العصر بوسائل الاتصال مشوب بشيء من الشك وشيء من القلق أيضًا، ومثل هذا الشك أمر مألوف في كل الأزمات الكبرى في الحياة الإنسانية، وربما يتضح ذلك من تلك المجموعة من الأسئلة المحيرة التي تستحوذ على عقول الكتاب والمفكرين في وقتنا الحاضر: