الصفحة 3 من 19

إذا كان القرن التاسع عشر في العالم الغربي قد تميَّز بدخول النظريات العلمية مجال البحث الأدبي، فقد تميَّز القرن العشرون بدخول العلوم الإنسانية كعلم الأنتروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس، وما أدى إليه هذا من تشكُّل المناهج العديدة في النقد الغربي: الأنتروبولوجي والاجتماعي والنفسي... وحين بدا نقدنا العربي الحديث معتمدًا بصورة ملحوظة على النقد الغربي، مقتبِسًا واحدًا تلو الآخر من مناهجه، فقد كان بديهيًا أن يقتبس منه نقادنا أيضًا المنهج النفسي، وأن يطبقوه على أدبنا، ليس الحديث منه فحسب، إنما كذلك الأدب القديم، لِما يمكن أن يكون قد تشكَّل لدى النقاد من فضول لسبر نفوس مبدعيه بكل ما تنطوي عليه، وإثبات تلاقيها مع نفوس مبدعي الأدب الحديث، ومن ثم إثبات وحدة النفس الإنسانية بين البشر، مهما تباينت العصور والبيئات.

وقد كان من بين الشعراء العرب القدامى الذين حظوا بالدرس النفسي أبو نواس الذي تناوله كل من العقاد والنويهي بناءً على عقدتين متمايزتين، قد أُدرِجَ ذكرهما ضمن علم النفس: الأول بناءً على عقدة النرجسية، والثاني على عقدة أوديب. وعلى الرغم من أسبقية العقاد زمنيًا في دراسة أبي نواس نفسيًا، فقد ارتأينا أن نبدأ بدراسة النويهي، نظرًا لتمهيده لتطبيق المنهج النفسي على الشاعر بصورة أكثر دقة ووضوحًا، وتشكيل العقدة النفسية التي انطلق منها في تتبُّع شعره التمهيد للعقدة التي انطلق منها العقاد، وذلك كما سيتبين لاحقًا لدى وصولنا إلى دراسة هذا الثاني المذكور، هذا مع الإشارة إلى أنه لا يُفتَرَض بالنويهي أن يكون قد تغافل عن جوهرية العقدة التي اكتشفها لدى الشاعر، وعن ضرورة البحث فيها وتوضيحها بغية التأسيس لبحث الناقد الذي سبقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت