الصفحة 10 من 59

وأعتقد أن هذه المسألة اعتبارية; فقد يظن أحد الناس أن الخطأ أحسن، في حين يخالفه آخرون، ويرون أنه أقبح من الصواب، وما لجأ إليه ـ أعني الخطأ ـ وجوزه صاحب الغربال إلا لاعتقاده أنه كلما دعت حاجة الشاعر أو الكاتب كان خيرًا وأجمل وأوفى من الصواب، وما خالفه العقاد إلا لأنه يعتبر أن الصواب في الأكثر الأعم يكون أجمل وأوفى، فلا معدي لنا من التزام قواعد اللغة وأصولها، وإن فيها من المرونة والانساع ما يجعل هذا الكلام منحرفا عن الجادة أشد الانحراف، على أن كلمة (الصواب) تحمل في نفسها سرّ قوتها في حين يحمل الخطأ سر ضعفه، ويكفي الصواب أنه صواب!.

/ صفحه 199/

ويسخر الكاتب العربي العظيم المرحوم مصطفى صادق الرافعي من الألفاظ التي تستعملها المحدثون، ومن التراكيب التي يؤدون بها معانيهم فيقول: (( وما التراكيب البيانية في مواضعها من الشعر الحي إلا كالملامح والتقاسيم في مواضعها من الجمال الحي، وكثيرًا ما يخيل إلى حين أتأمل بلاغة اللفظ الرشيق إلى جانب لفظ جميل في شعر محكم السبك أن هذه الكلمة من هذه الكلمة كحب رجل متأنق نتقرب من حب امرأة جميلة، وعطف أمومة على طفولة، وحنين عاطفة لعاطفة، إلى أشباه ونظائر من هذا النسق الرقيق الحساس، فإذا قرأت في شعر أصحابنا أولئك رأيت من لفظ كالشرطي أخذ بتلابيب لفظ كالمجرم.. إلى كلمتين هما معًا كالضارب والمضروب.. إلى همج ورعاع وهرْج ومرْج وهيج وفتنة.. أما القافية فكثيرًا ما تكون في شعرهم لفظًا ملا كما.. ليس أمامه إلا رأس القارىء ) ).

وطبيعي أن الرافعي لا يرى أن يملاء الكتاب والشعراء أدبهم وشعرهم بالكلمات القاموسية التي (تنفر المسامع منها) على حد تعبير صفي الدين الحلي، فلم يعد أحد حتى من أشد المحافظين يتمسك بأن تكون تعبيراته من هذا النمط وإنما غاية ما يجيزه آحاد منهم أن تستعمل كلمة أو كلمتان حين يكون المعنى محتاجًا إلى هذا الاستعمال، على نحو ما رأينا في كلمة (الصلنقح) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت