الصفحة 12 من 59

لا أظن أن أحدًا ينكر على صفي الدين رأيه ومذهبه إلا إذا كان مدخول العقل، أحمق الرأي، وكبار النقاد وعلماء البلاغة العربية مجمعون على ضرورة هجر الألفاظ الوحشية النافرة، واستعمال الألفاظ التي تطرب لها المسامع، ومنذ قرون بعيدة تتناقل كتب البلاغة الشروط التي يجب توافرها في الكلمات حتى تدخل في دائرة الكلام الفصيح، ومن هذه الشروط: أن تكون الكلمة مأنوسة الاستعمال، غير ثقيلة على اللسان ولا على السمع، ولكن بعضًا من شعرائنا المعاصرين، ونقادنا المحدثين لا يرضيهم هذا القدر المعتدل، فيرمون الألفاظ القديمة والتعبيرات القديمة بالجمود والتخلف والغثاثة، ويجب علينا ـ في نظرهم ـ أن نظرح ماحوته القواميس والمعاجم والمطولات، وأن نكتفي بما حفظته الذاكرة من كلام مألوف تتداوله ألسنة الناس في أفراحهم وأحزانهم، وربما كان هذا القدر مقبولًا، ولكن الذي لا نفهمه كيف نجعل الشاعر حكما في وضع ألفاظ جديدة لا تخضع لأصول اللغة وقواعدها؟ وكيف نبيح للشاعر ـ أي شاعر ـ أن يلجأ إلى الخطأ إذا أعجبه الخطأ؟ إن الذي قال إن هؤلاء الذين يبيحون الخطأ إنما يبررون ضعفهم في اللغة، ويتخذون من هذا الضعف مذهبا، هذا القائل ـ في نظري ـ لم يبعد.

ولنا أن نتصور مدى الفوضي التي تحدث في اللغة، حين نبيح لكل إنسان أن يخطىء، وأن يخلق ألفاظًا جديدة، إن كل من شدًا شيئًا من الأدب، بل والذي لم أجاب (أنا اللغة) ، وإذا لم يكن هناك أصل يحتكم النقاد إليه إلا ذوق الشاعر ورأيه ودعواه، كان لنا أن نقول: على لغتنا وعلى أدبنا السلام.

وأخيرًا لا أظن أن لغة من اللغات الأخرى يتحكم فيها صغار الأرباء وكبارهم كما يحب أن يفعل أدباؤنا. فلماذا صارت اللغة العربية ـ في هذا الأمر ـ بدعًا؟

إن كلمة (أنا اللغة) كلمة جريئة لا يقولها إلا من يجهل اللغة!

العدد47

/ صفحه 369/

أنا اللّغَة

لصاحب الفضيلة الشيخ علي محمد حسن العماري

المدرس بالأزهر

ـ 2 ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت