الصفحة 19 من 59

وهؤلاء ـ بحمد الله ـ أخفت صوتا، وأضعف رأيا من أن يبلغوا ما يريدون من إشاعة الفوضي في اللغة، أو في مقدساتنا الدينية.

منذ قريب قرأت لبعض الكتاب كلامًا يسخر فيه من أولئك الذين يريدون أن يلتمسوا لكل خطوة نخطوها في مجتمعنا الجديد، أصلا أو شبها ترجع إليه تلك الخطوة، ويرى ان ذلك رجعية لها أضرار بالغة على حياتنا الجديدة، كأننا نستطيع ان نحدث شرعا جديدا، أو كأننا امة ليست ذات دين كان ـ ولا يزال ـ السبيل الوحيد لخلاص البشرية من أسوأ ما فيها.

وهؤلاء الذين ينادون بأن نأخذ حاجاتنا وتشريعاتنا من حاضرنا دون أن ندعمها بما يؤيدنا من عمل سلفنا الصالح، ولا يعنيهم ان تخالف هذه التشريعات أو توافق ما جاء به ديننا الحنيف، إنما يضرون بهذه التشريعات، ويظهرونها عند جمهرة المسلمين في صورة الامور المبتدعة التي لا علاقة لها بمقدساتنا.

وقد دعت (الوجودية) ان يتخلى كل فرد عن المثل والتقاليد الموروثة، ولكن لم تبلغ هذه الدعوة من نفوس الناس شيئا، لأنها دعوة إلى إشاعة الفوضى في الأخلاق والسلوك.

وحديثي في اللغة والادب، ولذلك سنظل في هذه الدائرة، وقد رأيت أن

/ صفحه 93 /

أؤرخ للصراع الخالد بين القديم والجديد، حتى يتبين لنا أن أحدًا لم يحمد التطرف في أي عصر من العصور، وأن كل من قال:"أنا اللغة"عبر تاريخنا الطويل، لم يكونوا من أصحاب الرأي والفكر، وإنما كانوا فقاعات ظهرت على سطح الحياة، وكانت ساعة وجودها هي ساعة عدمها ـ كما يقول الرافعي رحمة الله ـ.

وضحالة الثقافة، هي ـ وحدها ـ التي تخيل لصاحبها أنه يستطيع ان يقطع الصلة بكل قديم، ثم يقدر ـ بعد ذلك ـ أن يخلق أدبا خالدًا، وأن يترك فنا ممتازًا.

وآفتنا الحقيقية، هي أن كل إنسان ـ عند نفسه ـ رجل عظيم، وعالم كبير، ومفكر خطير، ومن حقه ان يقول:"أنا الشرع"و"أنا القانون"و"أنا اللغة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت