والصراع بين القديم والجديد هو قضية الزمن والحياة، فما دام في الزمن أمس الدابر الذي لا يعود، واليوم الحاضر الذي يشغل العقل والقلب، فسيظل الحديث متصلا، خفيفًا حينا، ومحتدما في أحيان كثيرة عن الأمس واليوم، وربما عن الغد المجهول.
وهل هناك شك في أن آدم (عليه السلام) تحدث عن الجنة، وجرى بينه وبين حواء حديث طويل عنها، وعن الأرض التي هبطا فيها، ثم تحدث أبناؤهما من بعدهما، وفاضلوا بين أمسهم ويومهم، ولا يبعد أن يكون وقع بينهم جدل عنيف حول هذه القضية الطبيعية.
وهكذا ننتقل عبر الحياة، فنجد الناس في كل عصر، وفي كل مصر يتحدثون عن أمسهم ويومهم، وعن آبائهم وجدودهم، كما يتحدثون عن الساعة التي يعيشون فيها.
هذه ظاهرة واضحة، ربما كان الكاتب في غير حاجة إلى التنبيه عليها، أما الظاهرة الثانية فيه أن أكثر الناس يمتدحون القديم، ويتأسفون على العهد الذي مضى، ولا ينسى الرجل العامي، وهو يحدثك ان يترحم على"ايام زمان"!.
يروى عن عروة بن الزبير أنه كان يقول: كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تنشد قول لبيد:
ذهب الذي يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الاجرب
ثم تقول: رحم الله لبيدا، كيف لو رأى زماننا هذا؟!.
/ صفحه 94/
ثم يعقب عروة قائلا: ونحن نقول: رحم الله عائشة، فكيف لو رأت زماننا هذا؟!.
"وتعظيم القديم من طبيعة الناس، ولذلك عبدوا جدودهم، فكل رجل ولو خاملا يستحيل يوم يموت شيئا عظيما، تنهال عليه الرحمات، ويرون أنه كان من المغاور، لا تعصى عليه مشكلة، مع أن المرحوم كان لا يهش ولا ينش. ولكنه دخل الأبواب الدهرية فصار ملك الجميع" (1) .
ومع ما في هذا القول من المبالغة نجد له شواهد بين الخواص والعوام.