الصفحة 4 من 59

من المحافظين يرد على هذه النزعة التي تدعوا إلى وأد الألفاظ الغربية على الاستعمال بإبقائها مستريحة ناعمة البال في بطون المعاجم، وخلاصة آراء هؤلاء المحافظين أن أمر الألفاظ أجل وأخطر من أن يحكم فيه الذوق وحده، فذوق الجيل الحاضر قاصر في اللغة والأدب، ويخشى أن يقتصر هذا الذوق على ما ألف من الكلمات، فيعد كل كلمة غير مستعملة نابية عن الذوق ثقيلة على السمع، والاستعمال قد يؤدي إلى الإلف، كما نرى في استعمال بعض الكلمات الأجنبية الثقيلة، فليس لنا ـ كما يقول الدكتور عبد الوهاب عزام ـ أن ننفر من الألفاظ الشديدة، ونتجنبها، بل ينبغي أن نؤثر الألفاظ القوية لمعانيها، والألفاظ الخفيفة لمعانيها، دون إنصات إلى حكم الأذواق، وعلى الأديب أن يعمل على إحياء الألفاظ الطبيعية الشديدة كلما نزعت بالأمة رخاوة الحضارة إلى نسيانها، والاستعمال جدير بتذليل كل صعب، واستئناس كل وحشي.

ويضرب الدكتور عزام مثلًا بقول مسلم بن الوليد يصف الصحراء:

ومجهل كاطراد السيف محتجز * * * عن الأدلاء مسجور الصياخيد

تمشي الرياح به حسري مدلهة * * * حيري تلوذ بأكناف الجلاميد

/ صفحه 194/

ثم يقول: ما رأيه في (مسْجور الصيّاخيد) و (أكناف الجلاميد) أهي ملائمة لذوق الجيل الحاضر؟ وهل يرى غيرها أجدر بمكانها في هذا الشعر؟ إنها لا ريب حسنة في موقعها، بالغة ما أريد بها من وصف الصحراء حين تشتعل فيها الهواجر.

ثم يقول معلقا على قول الأستاذ أحمد أمين: (إن بعض ألفاظ اللغة أصبح أثريا) : (( ما أشد حاجتنا إلى كثير من هذه الألفاظ المهجورة; فإنها مجدية على من يعرفها ويستعملها، وعسى أن تصير ملائمة لذوق الجيل الحاضر حين يعرفها فيقضي بها حاجته من الإبانة عما يريد ) ).

ويضرب أستاذ آخر أمثلة لبعض الكلمات التي لا تغني مكانها كلمات أخرى، فيقول:

وإن من النسوان من هي روضة * * * تهيج الرياض دونها وتصّوح

ومنهن غُلُّ مقفل لا يفكّه * * * من الناس إلا الأحوذي الصّلنقح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت