ثم يأتي القرن الرابع وتتجدد المشكلة، ويتصارع أنصار القديم والحديث، ويبدو التطرف في أقوال كل من الفريقين، بل يبدو التطرف في رأي العالم الواحد في فترتين مختلفين، ولنضرب المثل بأحمد بن فارس المتوفي سنة 390 هـ، يقول الدكتور زكي مبارك:"يحار الباحث في تحديد حياة ابن فارس العقلية، ومرجع هذه الحيرة هو ظهور هذا الرجل بلونين مختلفين كل الاختلاف. أما سبب هذه الحيرة فهو إغفال المتقدمين تاريخ آثار هذا اللغوى الأديب، فقد نعرف أنه راجع كتاب"الصاحبي"في سنة 382 هـ، ولكننا لا نعرف في أي سنة من سني حياته العلمية وضع رسالته في الرد على محمد بن سعيد الكاتب، والفرق بعيدًا جدًا بين رسالته هذه، وكتابه ذاك، فهو في"الصاحبي"رجل حذر هيوب يحسب مسايرة العقل جريمة، وبعد التفكير من حملة الذنوب، ولكنه في رسالته إلى ابن سعيد باحث مملوء بالغيرة والحمية لكل حق، ولكل جديد" (2) .
ومع أن من الممكن تعليل هذا الاختلاف، فتزول الحيرة، وذلك أن الإنسان ولا سيما العلماء الباحثون، تتغير آراؤهم، وتتناقض نظراتهم، فقد يرى الواحد
* (هوامش) *
(1) الكامل ج2 ص 44، 45، ط: التجارية سنة 1355 هـ.
(2) النثر الفني في القرن الرابع ج 2 ص 32، الطبعة الأولى.
/ صفحه 340/
منهم رأيا، ويعنف في النضال دونه، ويتمادي في الخصومة من أجله، ثم يعدل عنه بعد زمن طويل أو قصير، ويرى ضد هذا الرأي، والأمثلة في عصرنا قريبة التناول.
مع هذا أرى أن تمسك ابن فارس بالقديم كان في ناحية، ودفاعه عن الجديد كان في ناحية أخرى.