و عندى أن هؤلاء جهلوا أثر الاعتدال في البلاغة فظنوا الاغراب غاية البلاغة، و أخذوا ينحتون من صخر، و يمتحون من بئر بعيدة الغور، و كأنهم لم يقرءوا كتابًا واحدًا من كتب النقد، أو كتب البلاغة، ليعلموا أن أول أسباب الجمال في الاسلوب انما هو الوضوح، و أن البيان انما سمى بيانًا لانه توضيح و كشف و اظهار، و كأنهم لم يطيلوا النظر في أساليب العرب، و في الكتاب المنزل الذى لايمترى أحد أنه في أعلى درجات البلاغة ليوقنوا أن الاغراب ليس من سمات الاسلوب الجيد.
بلى، لقد قرءوا في كتب النقد، و البلاغة، و قد نظروا طويلا أو قصيرًا في كلام العرب، و لكنهم يكابرون فيما لاوجه فيه للمكابرة.
و قد كنت أظن أن الفتنة بالوحشى من الالفاظ، و المعقد من الاساليب كانت مرضًا قديمًا ابتلى به أفراد لم يسلموا من التجريح و السخرية.
/ صفحه 328/
كما كنت أظن أن أدباء نا بعد أن قرءوا ما كتب الجاحظ و أمثاله قد اقتنعوا أن لامكان في البلاغة للمتكلفين المتزيدين.
غير أن هذا الظن كان مسرفًا في التفاؤل، فلا تزال الصحف تطالعنا في الحين بعد الحين بكلمات جامدة لاروح فيها و لا ماء، أبرز صفاتها الغموض، و أول ما تدل عليه التكلف و المعانات، و أعدل حكم عليها ما حكم به النقاد من القدماء على أمثالها.
فقد أشبع النقاد أبا علقمة النحوى سخرية، قالوا انه شهد عند بعض الأمراء بأن حبشيًا شج رأس صقلبى، فأغرب في شهادته، و لم يفهم الامير منها شيئًا، فكشف الامير رأسه و قال للصقلبى: شجنى خمسًا، و أعفنى من شهادة هذا.
و وُصف أبو علقمة - في بعض مواقفه - مع أنه كان عالمًا باللغة العربية، وصف بأن شيطانه يتكلم بالهندية، و قد عده بعض المؤلفين في الثقلاء.