فكان من أثر ذلك في كتب اللغة أن غلب عليها الإحصاء وشاعت فيها ضوابط التقصى والحصر، كما رأينا في الأمثلة التي نقلنا آنفا. كان ذلك لتسهل الإحاطة، ويمكن التحدي في المساءلة وحين المناظرة. بل لقد كان لبعض الشعراء المقدمين مشاركة أيضًا في إحصاء الفروع، وحصر المسائل، على سبيل القطع والصرامة، أسوة بالعلماء المتخصصين.
فهذا أبو على الفارسي، يسأل المتنبي سؤاله المشهور، فيقول:"كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟"فيجيب المتنبي دون توقف ولا أناة:"حجلي (1) ، وظربي"، فتضرب هذه المساءلة وجوابها مثلا سائرًا على تعمق المتنبي في اللغة. وسعة إحاطته بمادتها.
ويظهر أن هذه المسألة لم تكن من المسائل التي فرغ العلماء بعد من تتبعها وحصر آحادها، ولذا يعقب الفارسي على رواية خبرها، فيقول:"فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهذين الجمعين ثالثا، فلم أجد (2) ".
وإذا كان الإحصاء والحصر من الأعمال اللازمة في لغة من اللغات، أو في علوم هذه اللغة، فإنهما لا يبدوان دائمًا بهذه المثابة في اللغة العربية على الوجه الخصوص. فهذه اللغة لم يكتبها أصحابها الأولون، فتصل إلينا هدونة مجموعة،
ــــــــــ
(1) حجلي: جمع حجل بفتحتين، اسم طائر، وظربي: جمع ظربان، كقطران، دويبه كالهرة منتنة.
(2) وفيات الأعيان: 1: 44.
/ صفحه 173/
ولكنها وصلت إلينا منقولة مروية، إذ كان الرواة يخرجون إلى البادية للأخذ والمشافهة، أو يرتقبون الوافدين منها إلى الحضر للمساءلة والتحكيم.
فمحال أن يحيط بها راو واحد، ومحال كذلك أن يحيط بها الرواة جميعًا، لابد أن يندّ عنهم علم شيء منها ولو يسيرًا، فلم تكن العربية لغة قبيلة واحدة، ولا لغة طائفة من القبائل، ولكن لغة القبائل الضاربة في الجزيرة كلها.