فهرس الكتاب
الدرس الثامن عشر
في عقوبة من كان همه وقصده الدنيا
31 -عن أبان بن عثمان بن عفان - رضي الله عنهما - قال: خرج زيد بن ثابت - رضي الله عنه - من عند مروان نصف النهار، قال: قلت: ما بعث إليه هذه الساعة إلا لشيء سأله عنه، فسألته فقال: سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( نضَّر [1] الله امرءًا سمع منا حديثًا فبلغه غيرَه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه [2] ، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة [3] ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم [4] ، ومن كانت الدنيا همه
(1) يروى بتشديد الضاد، يقال: نضّره، وأنضره، أي نعَّمه، ويروى بتخفيفها، من النضارة، وهي في الأصل: حسن الوجه والبريق، والمراد: حسَّن خُلقه وقَدْره. ينظر النهاية 5/ 71، وشرح الترمذي لابن العربي 10/ 124، والفائق 3/ 439، وفيض القدير 6/ 283، 284.
(2) أي أنه قد يحفظ الحديث والعلم شخص ليس عنده فهم وتدبُّر، لأنه ليس من أهل العلم، أو يحفظ الحديث شخص ليس متناهيًا في العلم فيرويه وينقله إلى من هو أعلم منه. ينظر فيض القدير 6/ 284، 285.
(3) قوله: (( يغل ) )بفتح الياء وتشديد اللام، من الغل، وهو الحقد والشحناء، والمعنى لا يدخله غل يزيله عن الحق ويصرفه عنه، ولا يبقى في قلبه مع وجود هذه الأمور الثلاثة فيه أي غل أو غش، وهو فساد القلب وسخايمه، فالمخلص لله إخلاصه يمنع غل قلبه ويخرجه ويزيله جملة، ولهذا لما علم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شرطته التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين} ، وكذلك مناصحة أئمة المسلمين مناف للغل والغش، فإن النصيحة لا تجتمع مع الغل إذ هي ضده، فمن نصح الأئمة والأمة فقد برئ من الغل، وكذلك لزوم جماعة المسلمين مما يطهر القلب من الغل والغش، لأنه حينئذ يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، ويسره ما يسرهم، ويسوؤه ما يسوؤهم، بخلاف من انحاز عنهم واشتغل بالطعن فيهم والذم لهم، كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم، فإن قلوبهم ممتلئة غشًا ولهذا تجد الرافضة أبعد الناس من الإخلاص وأغشهم للأئمة والأمة وأكثرهم بعدًا عن جماعة المسلمين، ولذلك فإنهم لا يكونون قط إلا أعداء للمسلمين وأعوانًا لأعداء المسلمين، وهذا أمر مشاهد منهم، ومعلوم من أخبارهم، وكتب التاريخ حافلة بذكر أخبارهم في ذلك، قاتلهم الله، وكفى المسلمين شرهم. ينظر مشارق الأنوار لعياض 2/ 165، ومفتاح دار السعادة لابن قيم الجوزية: الوجه الثاني والخمسون من أوجه تفضيل العلم 1/ 94، 95.
(4) قال الإمام الحافظ ابن قيم الجوزية في الموضع السابق: (( هذا من أحسن الكلام وأوجزه وأفخمه معنى، شبه دعوة المسلمين بالسور والسياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوهم عليهم، فتلك الدعوة - التي هي دعوة الإسلام - وهم داخلونها لما كانت سورًا وسياجًا عليهم أخبر أن من لزم الجماعة أحاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الإسلام، كما أحاطت بهم، فالدعوة تجمع شمل الأمة وتلم شعثها وتحيط بها، فمن دخل في جماعتها أحاطت به وشملته ) ).