فهرس الكتاب
مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر )) [1] .
الفوائد والعبر:
1 -دل حديث أبي هريررة الأول على خطورة طلب العلم الشرعي ونحوه مما يبتغى به وجه الله من أجل الدنيا وحدها، وقد شبه بعض أهل العلم من هذا قصده بمن يحمل روثًا بملعقة من ياقوت، فما أشرف الوسيلة - وهي طلب العلم - وما أخس والمتوسل إليه - وهو المال - أو الرفعة في الدنيا -، فهو أمر حقير، ومطلب تافه دنيء، فينبغي للعقلاء وأصحاب الهمم العالية أن يكون هدفهم في عباداتهم وأعمالهم كلها وجه الله والدار الآخرة، فإنها هي المطلب الرفيع الباقي والهدف السامي.
والوعيد المذكور في هذا الحديث إنما هو في حق مَن طلب العلم للدنيا وحدها، وهو أيضًا لا يُثاب على عمله هذا، لأنه لم يرد به وجه الله ، أما من طلب العلم لوجه الله وللدنيا معًا، فإنه ينقص بذلك أجر عمله، ولا يبطل بالكلية [2] .
(1) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر 6/ 179، حديث (3062) ، وباب غزوة خيبر 7/ 471، حديث (4203) ، وصحيح مسلم، الموضع السابق، حديث (111) .
(2) ينظر جامع وبيان العلم، باب ذمر الفاجر من العلماء 1/ 187، وفيض القدير 6/ 107، وينظر شرح رياض الصالحين لابن علان، آخر كتاب العلم 4/ 191. وقد ذكر ابن علان أن من طلب العلم لوجه الله وللدنيا أنه آثم. وينظر تيسير العزيز الحميد، باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، ص474 ففيه تفصيل جيد في شرح قوله تعالى: {من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها ... } .
وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم 1/ 81، 82: (( فإن خالط نية الجهاد مثلًا نية غير الرياء، مثل أخذ أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة، نقص بذلك أجر جهادهم، ولم يبطل بالكلية، وقد ذكرنا فيما كضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضًا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا. وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزاتهم، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره. وكذا روي عن عبد الله بن عمرو، قال: إذا أجمع أحكم على الغزو فعوضه الله رزقًا فلا بأس بذلك، وأما أن أحدكم إن أعطي درهمًا غزا، وإن مُنع درهمًا مكث، فلا خير في ذلك. وهكذا يقال فيمن أخذ شيئًا في الحج ليحج به، إما عن نفسه أو عن غيره ) )ا. هـ مختصرًا.
وقال الشيخ محمد بن صالح عثيمين في القول المفيد شرح كتاب التوحيد، باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا 2/ 244، 245: (( تنبيه: هل يدخل فيه من يتعلمون في الكليات أو غيرها، يريدون الشهادة أو مرتبة بتعلمهم؟ والجواب: أنهم يدخلون في ذلك إذا لم يريدوا غرضًا شرعيًا، فنقول لهم:
أولًا: لا تقصدوا بذلك المرتبة الدنيوية بل اتخذوا هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق، لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس لا يستطيعون الوصول إلى منفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة، وبذلك تكون النية سليمة.
ثانيًا: أن من أراد العلم لذاته قد لا يجده إلا في الكليات، فيدخل الكلية أو نحوها لهذا الغرض، وأما بالنسبة للمرتبة فإنها لا تهمه.
ثالثًا: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين: حسن الدنيا والآخرة، فلا شيء عليه؛ لأن الله يقول: {ومَنَ يتق الله يجعل له مخرجًا * ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2، 3] ، فرغَّبه في التقوى بذكر المخرج من كل ضيق والرزق من حيث لا يحتسب.
فإن قيل من أراد بعمله الدنيا كيف يقال إنه مخلص مع أنه أراد المال مثلًا؟
أجيب: أنه أخلص العبادة ولم يرد بها الخلق إطلاقًا، فلم يقصد مراءاة الناس ومدحهم، بل قصد أمرًا ماديًا، فإخلاصه ليس كاملًا لأن فيه شركًا، ولكن ليس كشرك الرياء يريد أن يمدح بالتقرُّب إلى الله ، وهذا لم يرد مدح الناس بذلك بل أراد شيئًا دنيئًا غيره.
ولا مانع أن يدعو الإنسان في صلاته ويطلب أن يرزقه الله المال، ولكن لا يصلي من أجل هذا الشيء، هذه مرتبة دنيئة )) انتهى كلامه حفظه الله .
وأيضًا فإنه ينبغي للمسلم أن يكون همه وقصده في هذه الحياة تحقيق الغاية التي خلق من أجلها، وهي عبادة الله تعالى، والفوز برضى الله ونعيمه، والنجاة من غضبه وعذابه، وأن يحرص على أن تكون نيته في كل ما يأتي وما يذر خالصة لوجه الله تعالى، سواء في ذلك الأمور والعبادات الواجبة أم المندوبة، أم المباحات، أم التروك، فحينئذ تتحول المباحات إلى عبادات، ويثاب على تركه للمحرمات، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة، منها حديث سعد بن أبي وقاص، وهو مذكور في هذه الرسالة برقم (59) ، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، وهو مذكور برقم (3) ، وحديث أبي هريرة، وهو مذكور برقم (53) ، وقول معاذ، وهو مذكور برقم (60) .
فإذا طلب المسلم العلم الشرعي في المدارس أو الكليات الشرعية ونحوها، مبتغيًا تعليم نفسه ليعبد الله على بصيرة، وتعليم الناس ودعوتهمن ونفعهم، ومبتغيًا الحصول على شهادة أو وظيفة يستعين بها على عبادة الله ، وعلى التفرغ لتعليم الناس ودعوتهم، ونفعهم، يرجى أن يكون في دراسته هذه مخلصًا العمل لله تعالى.
هذا ما ظهر لي في هذه المسألة المهمة، وهو ما ذهب إليه جمع من مشائخي من علماء هذه البلاد.