الصفحة 112 من 259

الدرس الثامن والعشرون

قصة إسلام عمير بن وهب - رضي اللَّه عنه -.

50 -عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحجر، بعد مصاب أهل بدر بيسير، وكان عمير بن وهب شيطانًا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويلقون منه عناء وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: (و الله إِنْ في العيش بعدهم خير) .

قال له عمير: صدقت، أما و الله لولا دَيْنٌ علي ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضيعة [1] بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي فيهم علة [2] ابني أسير في أيديهم.

قال: فاغتنمها صفوان بن أمية فقال:

علي دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم [3] ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم، فقال له عمير: فاكتم عليَّ شأني وشأنك.

قال: سأفعل:

قال: ثم أمر عمير بسيفه، فشخذ وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، وما أراهم في عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب وقد أناخ راحلته على باب المسجد متوشحًا سيفه، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشر وهو الذي حرش بيننا، وحزرنا للقوم يوم بدر.

ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله ، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحًا سيفه.

قال: (( فأدخله عليَّ ) )، قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة [4] سيفه في عنقه فلببه بها [5] ، وقال لمن كان معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فأنه غير مأمون.

ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: (( أرسله يا عمر، ادن يا عمير ) ).

فدنا، ثم قال: انعموا صباحًا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة ) ).

فقال: أما و الله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد.

قال: (( فما جاء بك يا عمير؟ ) )قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه.

قال: (( فما بال السيف في عنقك؟ ) )قال: قبحها الله من سيوف! وهل أغنت عنا شيئًا؟

قال: (( اصدقني، ما الذي جئت له؟ ) )قال: ما جئت إلا لذلك.

قال: (بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلتَ: لولا دين عليّ وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا، فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك، على أن تقتلني له، و الله حائل بينك وبين ذلك) .

قال عمير: أشهد أنك رسول الله ، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فو الله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله ، فالحمد ÷ الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن، وأطلقوا أسيره) ففعلوا.

(1) الضيعة: الضياع والتشتت.

(2) العلة: السبب، ومراده أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لن يستنكروا مجيئه إليهم، لأن ابنه أسير عندهم، فسيعتقدون أن جاء لفداء ابنه.

(3) أواسيهم: أقوم على أمرهم وأنفق عليهم.

(4) حمالة السيف: ما يربط به السيف على الجسم.

(5) لببه بها: أي لفها عليه، وأمسكه بهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت